للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (١)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما أمركم به ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم، وقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ هذا أدب ثان أدب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي فوق صوته.

روى البخاري عن عبد الله بن الزبير: إنه قدم ركب بني تميم على النبي فقال: أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ حتى انقضت الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾.


الخلاصة والتنبيهات:
وخلاصة ما تقدم أن حديث معاذ هذا أعل بثلاث علل، لم تسلم إلا واحدة منها، وهي جهالة أصحاب معاذ، وبقيت اثنتان، وهما جهالة الحارث والإرسال؛ فهو ضعيف من حيث الثبوت، وصحيح في بعض معناه، ومنكر في التفرقة بين الكتاب والسنة من حيث الحجية، وحصر حجية السنة عند فقد الكتاب؛ كما ذكرناه آنفا.
ونختم الكلام على هذا الحديث بملاحظتين:
الأولى: أفاد ابن حزم في «إبطال القياس» (ص ١٤ - «ملخصه») أن بعضهم موه وادعى فيه التواتر!! قال: «وهذا كذب، بل هو ضد التواتر؛ لأنه لا يعرف إلا عن أبي عون، وما احتج به أحد من المتقدمين»، وأقره الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٨٣). والأخيرة: قال ابن طاهر القيسراني: «وأقبح ما رأيت فيه قول إمام الحرمين في كتاب «أصول الفقه»: «والعمدة في هذا الباب على حديث معاذ! قال: وهذه زلة منه، ولو كان عالما بالنقل لما ارتكب هذه الجهالة».
وتعقبه الحافظ في «التلخيص» (٤/ ١٨٣)؛ فقال: «قلت: أساء الأدب على إمام الحرمين، وكان يمكنه أن يعبر بألين من هذه العبارة، مع أن كلام إمام الحرمين أشد مما نقله عنه؛ فإنه قال: والحديث مدون في الصحاح»، متفق على صحته، لا يتطرق إليه التأويل، كذا قال .
اللهم ارزقنا الأدب مع علمائنا ومشايخنا، وتقبل منا، وارزقنا السداد والصواب، وجنبنا الخطأ والخلل والزلل.

<<  <  ج: ص:  >  >>