للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الآية (١). وروى البخاري عن أنس بن مالك أن النبي افتقد ثابت بن قيس فقال رجل: يا رسول الله! أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده في بيته منكسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي فقد حبط عمله فهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى (٢): فرجع إليه (٣) المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: «أذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة» (٤). ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال : ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، وقوله ﷿: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده، خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري كما جاء في «الصحيح»: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالًا، يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في النار، أبعد ما بين السماء والأرض» (٥). ثم ندب تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك، وأرشد إليه، ورغب فيه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾، أي: أخلصها لها وجعلها أهلًا ومحلًا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وقد قال الإمام أحمد عن مجاهد قال: كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل؟ أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٦).


(١) أخرجه البخاري (٤٣٦٧) من حديث عبد الله بن الزبير.
(٢) بعدها في مطبوع «تيسير العلي القدير»: «يعني ابن أنس بن مالك».
(٣) كذا في مطبوع «تيسير العلي القدير»، وفي الأصل: «إلى»!
(٤) أخرجه البخاري (٤٦١٣)، ومسلم (١١٩).
(٥) أخرجه البخاري (٦٤٧٨) من حديث أبي هريرة.
(٦) أخرج أثر عمر أحمد في «الزهد» - وليس في مطبوعه، وهو ناقص -، وعزاه له ابن كثير في «تفسيره» (٧/ ٣٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١٣/ ٥٣٨)، وانظر: «تيسير العلي القدير» (٤/ ٢١٤ - ٢١٦) بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>