ذكر الله تعالى فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من نوع العمل، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله الهالكون يوم القيامة الخاسرون يوم معادهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أي: لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله تعالى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيء قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨]. وكثيرة الآيات الدالة (١) على أن الله تعالى يكرم الأبرار ويهين الفجار، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ أي: الناجون المسلمون من عذاب الله ﷿(٢).
قال (ك): «يقول تعالى معظما لأمر القرآن، ومبينا علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه، لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: إذا كان الجبل مع (٣) قساوته وغلظته وصممه لو سمع وفهم هذا القرآن فتدبر بما فيه لخشع وتصدع من ثقله ومن خوف الله وخشيته، فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم آياته؟ وكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشيته ﵎؟ ولهذا قال جلت عظمته: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقد ذكر في الحديث المتواتر (٤): «إن رسول الله ﷺ لما عمل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما وضع وجاء النبي ﷺ ليخطب فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند ذلك حن
(١) في مطبوع «تيسير العلي القدير»: «الدالات». (٢) انظر: «تيسير العلي القدير» (٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠). (٣) بدلها في مطبوع «تيسير العلي القدير»: «رغم». (٤) أخرجه البخاري (٢٠٩٥) من حديث جابر بن عبد الله، وانظر لتواتره: «نظم المتناثر» (٢٢١ - ٢٢٣) رقم (٢٦٣) و «لقط اللآلئ المتناثرة» (ص ٢٨ - ٣٠) رقم (٤).