للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشَّيءِ وتَحْرِيمِهِ، وإيجابِ الشَّيءِ، وإسقاطِهِ مَعًا، إنْ كُلِّفْنا بِتَقْليدِ كُلِّ عَالِمٍ، وإنْ كُلِّفْنا بِتَقْليدِ الأَعْلَمِ فالأَعْلَم، فَمَعْرِفَةُ ما دلَّ عليهِ القرآنُ والسننُ من الأحكام، أسهلُ بِكَثِيرٍ من مَعْرِفَةِ الأَعْلَمِ الذي اجتَمَعَتْ فيه شُروطُ التقليدِ.

وفي مَعْرِفَةِ (١) ذلك مَشقَّةٌ على العالِمِ الرَّاسِخِ فضلًا عن المقلَّدِ الذي هو كالأعمى، وإنْ كُلِّفْنا البعض، وكان جعلُ ذلكَ إلى شَهْوَتِنا (٢) واخْتِيَارِنا، صارَ دينُ اللهِ تبعًا لإِرادتِنا واخْتِيارِنا وشَهَواتِنا، وهو عينُ المحال.

فلا بدَّ أن يكونَ ذلك راجعًا إلى أمرِ اللهِ باتباع قوله، وتلقِّي الدينِ منه (٣) وذلك (محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله) وأمينُه على وحيِهِ، وحجتُه على خَلْقِهِ، ولم يجعلِ اللهُ هذا المنصبَ لسواه بعده أبدًا.

الثاني: إنْ بالنظرِ إلى الاستدلال، صلاحُ الأمورِ لا ضياعها، وبإهماله ذلك وتقليد من يُخطئ ويصيب، إضاعتها وفسادها، كما أن الواقع شاهد به.

الثالث: إنْ كلَّ واحدٍ منا مأمور بأنْ يُصدِّق الرسول فيما أخبر (٤)، ويطيعه فيما أمر، وذلك لا يكون إلا بعد معرفة أمره وخبره.

ولم يوجبِ اللهُ سُبحانه من ذلك على الأمةِ إلا ما فيه حفظُ دينها ودنياها، وصلاحُها في معاشها ومعادها، وبإهمال ذلك تضيع مصالحها، وتفسد أمورها؛ فما خرابُ العالمِ إلا بالجهلِ ولا عِمارتُه إلا بالعلم.

وإذا ظهر العلمُ في بلدٍ أو محلة، قَلَّ الشَّرُّ في أهلها، وإذا خَفِيَ العلمُ هناك ظهر الشر والفساد، ومن لم يعرف هذا فهو ممن لم يجعلِ اللهُ له نورًا.

قال الإمام أحمد: لولا العلم، كان الناس كالبهائم.

وقال: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب محتاج (٥) إليه في اليوم مرتين أو ثلاثًا، والعلم يحتاج إليه في كل وقت (٦).

الرابع: إنَّ الواجبَ على كلِّ عبد (٧) أن يعرفَ ما يَخُصُّه من الأحكام،


(١) في مطبوع «الإعلام»: «ومعرفة».
(٢) في مطبوع «الإعلام»: «تشهينا».
(٣) في مطبوع «الإعلام»: «من بين شفتيه».
(٤) في مطبوع «الإعلام»: «أخبر به».
(٥) في مطبوع «الإعلام»: «يحتاج».
(٦) قاله أحمد في رواية حرب، كما في «الآداب الشرعية» (٢/ ٤٦، ط. القديمة).
(٧) في مطبوع «الإعلام»: «على العبد».

<<  <  ج: ص:  >  >>