للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا يجب عليه أن يعرف ما لا تدعوه الحاجة إلى معرفته، وليس في ذلك إضاعة لمصالح الخلق، ولا تعطيل لمعاشهم، فقد كان الصحابة قائمين لمصالحهم (١) ومعاشهم وعمارة حروثهم، والقيام على مواشيهم، والضرب في الأرض لمتاجرهم، والصفق بالأسواق (٢)، وهم أهدى العلماء الذين لا يشق غبارهم (٣).

الخامس: إن العلم النافع هو الذي جاء به الرسول، دون مقدرات الأذهان، ومسائل الخرص والألغاز، وذلك - بحمد الله - أيسر شيء على النفوس، تحصيله وحفظه وفهمه، فإنه كتاب الله الذي يسره للذكر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].

قال البخاري في «صحيحه»: قال مطر الوراق: هل من طالب علم فيعان عليه (٤)؟ ولم يقل: فتضيع عليه مصالحه، وتتعطل عليه معايشه.

وسنة رسوله - وهي بحمد الله - مضبوطة، محفوظة، أصول الأحكام التي يدور عليها خمسمائة حديث، وفروعها وتفاصيلها، نحو أربعة آلاف، وإنما الذي هو في غاية الصعوبة والمشقة مقدرات الأذهان. وأغلوطات المسائل والفروع والأصول، التي ما أنزل الله بها من سلطان، التي كل


(١) في مطبوع «الإعلام»: «بمصالحهم».
(٢) يشهد لهذا نصوص عديدة وكثيرة منها:
ما أخرجه عباس الدُّوري في «تاريخ ابن معين» (٢/ ٢٠٧) بسنده الصحيح إلى سعيد بن المسيب؛ قال: «كان أصحاب رسول الله يتجرون في البحر، منهم سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله».
وما أخرجه مسلم في «صحيحه» رقم (٨٤٧) عن عائشة؛ قالت: «كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاة».
وما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٢٠٧١) عنها بلفظ: «كان أصحاب رسول الله عمال أنفسهم»، وانظر: «الرسالة» رقم (٨٤٦) للشافعي.
وفي الحديث المتفق عليه حديث تطويل معاذ في الصلاة، وفيه: «ونحن نعمل بأيدينا».
وما ثبت عن أبي هريرة: «وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم»، وانظر: «المجالسة» رقم (٧٥٤) وتعليقي عليه، و «الإحكام» (٦/ ٩٢) لابن حزم.
(٣) في مطبوع «الإعلام»: «لا يشق في العلم غُبارهم».
(٤) سبق ذكره.

<<  <  ج: ص:  >  >>