الأنعام، وأمر بطاعة أولي الأمر إذا كانت طاعتهم طاعة لرسوله، بأن يكونوا متبعين لأمره مخبرين به، وأقسم بنفسه - سبحانه - أنه (١) لا نؤمن حتى نحكم الرسول خاصة فيما شجر بيننا، لا نحكم غيره، ثم لا نجد في أنفسنا حرجًا مما حكم به كما يجده المقلدون إذا جاء حكمه خلاف قول مَنْ قلدوه، وأن نسلّم لحكمه تسليمًا، كما يسلم المقلدون لأقوال من قلدوه، تسليمًا (٢) أعظم من تسليمهم وأكمل والله المستعان، وذم من حاكم إلى غير الرسول.
وهذا كما أنه ثابت في حياته، فهو ثابت بعد مماته.
فلو كان حيًا بين أظهرنا وتحاكمنا إلى غيره، لكنا من أهل الذم [والتقليد](٣)، والوعيد، فسنته وما جاء به من الهدى ودين الحق لم تمت، وإن فقد بين الأمة شخصه الكريم، فلم تفقد من بيننا سنته ودعوته وهديه، والعلم والإيمان - بحمد الله - مكانهما، من ابتغاهما وجدهما.
وقد ضمن الله سبحانه حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله، فلا يزال محفوظًا بحفظ الله، محميا بحمايته؛ لتقوم حجة الله على عباده (٤) قرنًا بعد قرن. إذ كان نبيهم آخر الأنبياء ولا نبي بعده.
فكان حفظه لدينه وما أنزله على رسوله مغنيًا عن رسول آخر بعد خاتم الرسل، والذي أوجبه الله سبحانه وفرضه على الصحابة، من تلقي العلم والهدى من القرآن والسنة دون غيرهما، هو - بعينه - واجب على من بعدهم، وهو محكم لم يُنسخ ولا يتطرق إليه النسخ حتى ينسخ الله العالم ويطوي الدنيا، وقد ذم الله تعالى من إذا دُعي إلى ما أنزل الله وإلى رسوله صدّ وأعرض، وحذره أن تصيبه مصيبة - بإعراضه عن ذلك - في قلبه ودينه ودنياه، وحذر من خالف عن أمره واتبع غيره، أن تصيبه فتنة أو يصيبه عذاب أليم، فالفتنة في قلبه، والعذاب الأليم في بدنه وروحه، وهما متلازمان، فمن فتن في قلبه - بإعراضه عما جاء به ومخالفته له إلى غيره - أصيب بالعذاب الأليم، ولا بد.
وأخبر سبحانه أنه إذا قضى أمرًا على لسان رسوله، لم يكن لأحد من
(١) في مطبوع «الدين الخالص»: «أنا». (٢) في مطبوع «الدين الخالص»: «بل تسليمًا». (٣) غير موجود في مطبوع «الدين الخالص». (٤) كذا في مطبوع «الإعلام»، وفي الأصل: «يقيم حجة على العباد»!