وهل تقطعت الأمة أمرها بينها زُبُرًا، وصار ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ إلا بهذا السبب؟! فكل طائفة تدعو إلى متبوعها، وتنأى عن غيره، وتنهى عنه، وذلك مُفْضِ إلى التفريق بين الأمة، وجعل دين الله تابعًا للتشهي والأغراض، وعُرضة للاضطراب والاختلاف، وهذا كله يدلُّ (١) على أن التقليد ليس من عند الله، للاختلاف الكثير الذي فيه.
ويكفي في فساد هذا المذهب: تناقض أصحابه، ومعارضة أقوالهم بعضها ببعض، ولو لم يكن فيه من الشناعة إلا إيجابهم تقليد صاحبهم، وتحريمهم تقليد الواحد من أكابر الصحابة كما صرحوا به في كتبهم، [لكان كافيًا في الشناعة](٢).
الوجه الحادي والثمانون: إن المقلدين حكموا على الله - قدرًا وشرعًا - بالحكم الباطل جهارًا، المخالف لما أخبر به رسوله، فأخلوا الأرض من القائمين الله بحججه (٣)، وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة، فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف، وزُفّر بن الهذيل، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وهذا قول كثير من الحنفية، وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة، وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي، وسفيان الثوري، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك.
وقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي، واختلف المقلدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه، ويكون له وجه يُفتي ويحكم به، ومن ليس كذلك، وجعلوهم ثلاث مراتب:
٢ - وطائفة أصحاب احتمالات لا أصحاب وجوه؛ كأبي المعالي.
٣ - وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات؛ كأبي حامد (٦) وغيره.
(١) كذا في مطبوع «الدين الخالص»، وفي الأصل: «يدخل»! (٢) غير موجود في مطبوع «الدين الخالص». (٣) في مطبوع «الإعلام»: «بحجة». (٤) كذا في مطبوع «الإعلام»، وفي الأصل: «كابن شريح»! (٥) بعدها في مطبوع «الإعلام»: «الإسفرائيني». (٦) بعدها في مطبوع «الإعلام»: «الغزالي».