للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال في أولها: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] الآية، فالنصارى من جهلهم ليس لهم ضابط ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم باطلة، وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكًا، ومنهم من يعتقده ولدًا، وهم طوائف كثيرة، لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولًا، ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم، وهو سعيد بن بطريق، في حدود سنة أربعمائة من الهجرة النبوية، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير، الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافًا لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفي أسقف فكانوا أحزابًا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة وأزيد من ذلك وأنقص، فلما رأى [منهم عصابة] (١) قد زادوا على الثلاثمائة [بثمانية] (٢) عشر نفرًا، قد توافقوا على مقالة، فأخذها الملك ونصرها وأيدها وكان فيلسوفًا داهية، وترك ما عداها من الأقوال، وانتظم دستور أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبًا وقوانين، وأحدثوا فيها الأمانة التي يلقنونها الولدان من [الصغار يعتقدوها] (٣)، ويعمدونهم عليها وأتباع هؤلاء هم (الملكية) (٤)، ثم إنهم اجتمعوا مجمعًا ثانيًا فحدث فيهم (اليعقوبية) (٥)، ثم مجمعًا ثالثًا فحدث فيهم (النسطورية) (٦)، وكل هذه الفرق


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «عصابة منهم».
(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وثمانية».
(٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الصغر ليعتقدونها».
(٤) هم جل النصارى اليوم، وانقسموا إلى طوائف، منهم: المارونية، والكاثوليك، والأرثوذكس، والبروتستانت، وكان قسطنطين قد عقد هذا المجمع سنة ٣٢٥ م في نيقية - وهي مدينة في تركيا تسمى الآن (أرنك)، ويرى المؤرخ فيشر في كتابه تاريخ أوروبا في «العصور الوسطى» (ص ٦ - ٧)، والمؤرخ النصراني ول ديورانت في «قصة الحضارة» (١١/ ٣٨٧/ ٣، ط. الثالثة) أن أهداف قسطنطين فيما قام به كانت سياسية. وانظر عنه: «محاضرات في النصرانية» (١٢٠ - ١٢١) لمحمد أبو زهرة، «أضواء على المسيحية» (٩٤ - ٩٥)، «تاريخ الفكر المسيحي» (١/ ٦١٩)، «التحريف والتناقض في الأناجيل الأربعة» (ص ٤٩ - ٥٣).
(٥) أو (اليعاقبة) نسبة إلى يعقوب البراذعي، الذي انتحل مذهب القائلين بأن للمسيح طبيعة واحدة، وهي التقاء اللاهوت والناسوت في المسيح!
(٦) نسبة إلى نسطور الذي كان بطريرك القسطنطينية سنة ٤٢٨ هـ، خلافًا لما ذهب إليه

<<  <  ج: ص:  >  >>