للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم، أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: «أنت ابني بكري» فحملوا هذا على غير تأويله، وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى من كتابهم أن عيسى قال لهم: «إني ذاهب إلى أبي وأبيكم»، يعني: ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة، ما ادعوه في عيسى ، وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه، وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.

قال الله تعالى رادًا عليهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم﴾ أي: لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه، فتلا عليه الصوفي هذه الآية: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم﴾ وهذا الذي قاله حسن، وله شاهد في «مسند الإمام أحمد» (١)، وذكر سنده عن أنس قال: مر النبي في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: «أي ابني». وسعت فأخذته، فقال القوم يا رسول الله! ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار، قال: فخفضهم النبي فقال: «لا والله ما يلقي [الحبيب] (٢) حبيبه في النار».

قال محمد تقي الدين في هذا الكلام اختلال، وهو هكذا في النسخة التي بين أيدينا (٣)، والمعنى: - إن الله يحب عباده الصالحين، فلا يلقيهم في النار. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا


(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٠٤، ٢٣٥)، وأبو يعلى (٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨) رقم (٣٧٤٧ - ٣٧٤٩)، والبزار في «البحر الزخار» (١٣/ ١٦١) رقم (٦٥٧٩) أو رقم (٣٤٧٦ - كشف الأستار)، والحاكم (١/ ٥٨)، وابن أبي الدنيا في «الأولياء» (٢٢)، والضياء في «المختارة» (٦/ ٣٦) وإسناده صحيح، وذكره الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٣٨٦) وقال: «رواه أحمد والبزار بنحوه وأبو يعلى، ورجالهم رجال الصحيح وللحديث شاهد من حديث عمر، رواه البخاري (٥٩٩٩)، وسيأتي لفظه.
(٢) غير موجود في مطبوع تفسير ابن كثير».
(٣) وهو هكذا في النسخ المحققة!

<<  <  ج: ص:  >  >>