الإغلاظ منكرًا أشدّ من الحاضر، فينبغي المعالجة بما يقاومه ويصلح به ذلك الأمر من الشدة والعنف، وبحسب عظم المنكر وما يليق في مثله، ويؤدّي إلى إزالة فعله، قال الله - تعالى - في صفة القوم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ و ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم﴾ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. ثم نقل الله عن شيخه المشتهر بابن أبي درقة الله قال: «كنت مرّةً في غُرّة الشباب، ومبادي الطلب، فتشاغلت عن إحدى صلاتي العشاء إلى أن شارفت الفوات، فأتيت عَجِلًا إلى بعض المساجد، واعتمدت بعض زواياه، فصلّيتها مبادرًا متجوزًا في بعض أركانها، وإذا بعض الشيوخ يسارقني النظر، بحيث لم أشعر به، فلما أتممت صلاتي، وهممت بالانصراف استدعاني، فأتيته، فسألني قليلًا، ثم قال: يا بني، رجل تسلّف دراهم إلى وقت، فلما حلّ الأجل، والغريم موسر قادر على الأداء، تهاون بذلك واستخف، ولم يزل يتراخى به إلى أن استحق ذمّ التأخير، ثم أتاه بها بعد ذلك ناقصةً، زيوفًا، فَجَمَعَ بين جنسي الإساءة في القضاء، فهل يكون لهذا حظ في القبول؟ فما أتم كلامه حتى فهمت مقصده وتعريضه بما فعلت في صلاتي، فخجلت ثم قلت له: فهمت يا عم، فما زاد على أن قال: قم يا بني بارك الله فيك، فعدت لإتمام صلاتي وأثر ذلك عندي خير تأثير». ثم قال: فهذا النوع من الرفق والتلطف في التعليم بحسب فهم صاحب النازلة وما يليق به، أوقع في النفوس وأقرب إلى الإجابة من كثير من العنف والشدّة».