للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله تعالي: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾.

قال (ك): اختلفوا - أي المفسرون -، فقيل: المراد بذلك كفرهم (١) في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهي (٢): أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، قال ابن جرير (٣) وغيره: والطوائف الثلاثة من الملكية، واليعقوبية، والنسطورية (٤)، تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافًا متباينًا (٥)، فكل (٦) فرقة منهم تكفّر الأخرى، والحق أن الثلاث كافرة، وقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وهذا القول هو الأظهر والله أعلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: ليس متعددًا، بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ثم قال تعالى متوعدًا لهم ومتهدّدًا: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: هذا الافتراء والكذب: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الآخرة (٧)، ثم قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه، وقوله (٨) تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: له سوية (٩) أمثاله


(١) كذا في مطبوع تفسير ابن كثير، وفي الأصل: «كفارهم»!
(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وهو».
(٣) في «تفسيره» (٨/ ٥٨٠).
(٤) هم لا يقولون بالأقانيم الثلاثة، وقدمنا ذلك عنهم قريبًا، فالاتحاد عندهم ليس حقيقيًا بل مجازيًا؛ لأن الإله منح عيسى المحبة فصار بمنزلة الابن، ومعنى ذلك أن المسيح لم يكن فيه عنصر إلهي قط، فليس إلهًا ولا ابن إله، وهذا ما تقرره صاحبة «تاريخ الأمة القبطية»، ويرى الدكتور أحمد شلبي في كتابه المسيحية (ص ١٨٩) أن مذهب نسطور كان محاولة للعودة إلى التوحيد وانظر: «تحريف رسالة المسيح عبر التاريخ» (ص ٣٠٨ - ٣١٠).
(٥) بعدها في مطبوع تفسير ابن كثير: «ليس هذا موضوع بسطه».
(٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وكل».
(٧) بعدها في مطبوع تفسير ابن كثير: «من الأغلال والنكال».
(٨) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ثم قال».
(٩) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «أسوة»!

<<  <  ج: ص:  >  >>