للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رب إنك عزيز ذو انتقام، تنتقم من الظالمين بأيدي الموحدين المقسطين، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.

[الباب الثاني]

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦]

قال (ك): «يذكر تعالى في هذا المقام محتجًا على مشركي العرب بأن البلد الحرام مكة، إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه (١) تبرأ ممن عبد غير الله وأنه دعا لمكة بالأمن، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وقد استجاب الله له، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧] وقال في هذه القصة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ فعرفه لأنه دعا (٢) بعد بنائها، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة فإنه دعا أيضًا فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] كما (٣) ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطولًا وقوله (٤): ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته، ثم ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس، وأنه تبرأ (٥) ممن عبدها ورد أمرهم إلى الله: إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، كقول عيسى : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وليس فيه (٦) أكثر من


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «بسببه آهلة عامرة».
(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «كأنه دعا به».
(٣) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير» وفي الأصل: «لما».
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وقال».
(٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «بر».
(٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «في هذا».

<<  <  ج: ص:  >  >>