(٤/ ٧٤٣) -: ««العزلة» بغير عين (العلم) (زلة)، وبغير زاي (الزهد) «علة»». وضوابطها الشرعية ثلاثة أمور: الأول: أن لا تدع الجمعة والجماعة. والثاني: عدم التوسع في المباحات. والثالث: اختيار الأصحاب، وهي بهذه الضوابط تشرع في حق بعض الناس، بل قال الخطابي في كتابه «العزلة» (ص ٢٢٥): «فالعزلة إنما تنفع العلماء العقلاء، وهي من أضر شيء على الجهال». والعزلة لا تكون إلا في حق «من لم يتعين عليه فرض؛ من جهاد، أو تغيير منكر، وتعلم أو تعليم، أو مانع شرعي ممن يجب طاعته شرعا؛ من أحد الوالدين، أو إمام، أو قاض، أو خصم له حق واجب، أو حق مسلم لازم أو راجح، لم تعارضه خوف فتنة في الدين؛ فينبغي من حد صاحب (الخلوة) أن لا يصل إلى حد العقوق والجفاء، والله المستعان ما لم تخف فتنة»، أفاده ابن الوزير في «الأمر بالعزلة في آخر الزمان» (ص ٤٩، ٥٣). قال الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه «الغنية» (١/ ١٧٤ - ط العراقية): «ولو اعتزل الإنسان الناس مهما اعتزل؛ لم يكن له متسعا في الشرع اعتزال الجمعة والجماعات». ولذا أوصى الشافعي صاحبه يونس بقوله: «يا يونس الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء؛ فكن بين المنقبض والمنبسط»، كذا في «شرح نهج البلاغة» (١٠/ ٥٢). قال علي القاري في مرقاة المفاتيح «» (٤/ ٧٤٣): «والمختار هو التوسط بين العزلة عن أكثر الناس وعوامهم، والخلطة بالصالحين، والاجتماع مع عامتهم في نحو جمعهم وجماعاتهم». والحاصل أن العزلة تكون كلية تارة وجزئية أخرى خادمة لمطلوب أو مقصود، كما بينه الشاطبي في «الموافقات» (٣/ ٥٣٠ - بتحقيقي). وقد ذكر العلماء جملة من (الآداب) لمن أراد (العزلة)؛ منها: أن ينوي بعزلته كف شره عن الناس أولا، ثم طلب السلامة من الأشرار ثانيا، ثم الخلاص من آفات الاختلاط ثالثا، ثم التجرد بكنه الهمة لعبادة الله رابعا، ثم ليكن في خلوته مواظبا على العلم والعمل والذكر والفكر؛ ليجتني ثمرة العزلة، وليمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه وزيارته فيشوش عليه وقته، وليكف عن السؤال عن أخبارهم والإصغاء إلى أراجيف البلد؛ فإن كل ذلك ينغرس في القلب حتى ينبعث في أثناء الصلاة أو الفكر من حيث لا يحتسب. وبالجملة، يقطع الوساوس الصارفة عن ذكر الله، وليقنع باليسير من المعيشة، وإلا؛ اضطره التوسع إلى الناس، وليكن له أهل صالحة أو جليس صالح لتستريح نفسه إليه عن كد المواظبة في اليوم ساعة؛ ففيه عون على بقية الساعات، ولا يتم له الصبر في العزلة إلا بقطع الطمع عن الدنيا وعما في أيدي أهلها، وطريق ذلك أن لا يقدر لنفسه عمرا طويلا، بل يصبح على أنه لا يمسي، ويمسي على أنه لا يصبح؛ فيسهل عليه صبر يوم واحد، وإلا؛ فلا يسهل عليه الصبر عشرين سنة أو قدر تراخي الأجل. وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر مهما ضاق قلبه من الوحدة، وليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر الله ومعرفته ما يأنس به؛ فلا يطيق وحشة الوحدة بعد الموت، =