للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والغرض أنه جعل كل واحد منهم يكتم ما هو عليه (١) عن أصحابه خوفًا منهم، ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم أنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره (٢) فقال آخر: أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به شيء، هو (٣) الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وقال (٤) الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك، وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدًا واحدة، وإخوان صدق فاتخذوا لهم معبدًا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه، فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله ﷿، ولهذا أخبر تعالى بقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ ولن لنفي التأبيد، أي: لا يقع منا هذا أبدًا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا، ولهذا قال فيهم (٥): ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: باطلًا وكذبًا وبهتانًا، ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلًا واضحًا صحيحًا ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال: إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون (٦)، وكان هذا من لطف الله بهم فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفًا على دينه كما جاء في الحديث، يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن (٧) ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس، ولا تشرع فيما عداها (٨)، لما يفوت، بها من ترك


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فيه».
(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ما بأمره».
(٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «هو الله».
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فقال».
(٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «عنهم».
(٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يراجعون دينهم الذي كانوا عليه».
(٧) أخرجه البخاري (٣٣٠٠) من حديث أبي سعيد، وأطلت النفس في تخريجه في تعليقي على «العزلة والانفراد» (١٥، ١٦، ١٧، ١٨، ١٨٠)، لابن أبي الدنيا، فانظره غير مأمور.
(٨) تشرع العزلة بشروط، أهمها: العلم والزهد، ولذا قالوا - كما في «مرقاة المفاتيح» =

<<  <  ج: ص:  >  >>