للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثانية: قول النبي : «إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ» (١)؛ مثال ذلك: من اغتصب أرضًا وزرعها واكتسب من زراعته مالًا كثيرًا فحج به وتصدق وأنفق على الأرامل واليتامى، وبنى به المساجد لا يقبل الله منه شيئًا، لأن ذلك الاغتصاب سيئة، وتلك الأعمال التي عملها وظنها من الصالحات هي أيضًا سيئة، والسيئ لا يمحو السيئ، كمن غسل الدم بالدم.

الثالثة: قرأ الجمهور ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ من أتى الرباعي، بمعنى: أعطى، وقرئ (يَأْتُونَ مَا أَتَوا) (٢) من أتى الثلاثي، أي: يفعلون ما فعلوا، وهي قراءة عائشة روتها عن النبي (٣) ولذلك التبس عليها الأمر فسألت عن الأفعال التي يفعلونها أهي المعاصي؟ فأخبرها النبي (٤) أنها الأعمال الصالحة وهم مع ذلك خائفون أن لا تقبل منهم؛ لأن محبطات الأعمال كثيرة، والحازم يغلب الخوف على الرجاء إلا في الاحتضار حين تنقطع الأعمال أو تكاد، ولو قرأت عائشة بقراءة الجمهور ما وقع لها التباس.

الرابعة: قول النبي لعائشة: «لا يا بنت الصديق» (٥). فيه تكريم لها


(١) قطعة من حديث ابن مسعود المتقدم قريبًا بتمامه، وهناك تخريجه.
(٢) هذه قراءة ابن عباس وقتادة والأعمش والحسن والنخعي وعاصم الجحدري، قال الزجاج في «معاني القرآن» (٤/ ١٦) عن القراءتين: «وكلاهما جيد بالغ». وانظر: «المحتسب» (٢/ ٩٥)، «معاني القرآن للفراء» (٢/ ٢٣٨)، «البحر المحيط» (٦/ ٤١٠)، «تفسير الرازي» (٢٣/ ١٠٨)، «الكشاف» (٢/ ٣٦٤)، «تفسير ابن عطية (١٠/ ٣٧١)، «زاد المسير» (٥/ ٤٨٠)، «الدر المصون» (٥/ ١٩٢).
(٣) ورد ذلك في حديث فيه قول عائشة عن هذه القراءة: «أشهد أن رسول الله كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، أو قالت: أشهد لكذلك أنزلت وكذلك كان رسول الله يقرؤها، ولكن الهجاء حرف». أخرجه أحمد (٦/ ٩٥)، وإسحاق بن راهويه (١٦٤٤ مسند عائشة)، والبخاري في التاريخ الكبير» (٩/ ٢٨)، وابن جرير (١٨/ ٣٣)، وأبو عمر الدوري في «جزء فيه قراءات النبي » رقم (٨٥، ٨٦)، وأبو أحمد الحاكم في «الكنى» - كما في «تعجيل المنفعة» (٤٨١) - بسند ضعيف، فيه أبو خلف مولى بني جمح مجهول. نعم، له طرق أخرى عند الحاكم (٢/ ٢٣٥، ٢٤٦)، والفراء في «معاني القرآن» (٢/ ٢٣٨)، ولكن مدارها على مجاهيل وضعفاء أو متروكين، ولذا لما صححه الحاكم، تعقبه الذهبي بقوله: «يحيى ضعيف» يريد ابن راشد.
(٤) في حديث، تقدم لفظه وتخريجه.
(٥) قطعة من حديث تقدم قريبًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>