فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم، متسق كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض.
والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدًا، فأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد (١) سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزًا ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالًا فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب، والآخر المغلوب ممكنًا، لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوًّا كبيرًا، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تقدس وتنزه وتعالى وعزَّ وَجَلَّ عما يقول الظالمون والجاحدون) (٢).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: وتقدم في سورة الأنبياء قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وتقدم في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٢، ٤٣] فالنظام الواحد يدل على إله واحد، والألوهية لا توهب، لأنها خاصة بالواحد الأحد، ومن سخافة جهال المغاربة أنهم يقولون في الإنسان والحيوان والجماد هذا الشيء فيه بركة، وكل ما فيه بركة بزعمهم يعبدونه حتى وصلوا إلى عبادة الحمير، ففي الدار البيضاء حجر يسمى للاحمارة تعبده النساء (٣).
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وأراد الآخر». (٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٠/ ١٤٣ - ١٤٤). (٣) للمصنف ثلاث مقالات في الرد على عابديه كتبها استجابة لدعوة امرأة غيورة على التوحيد، ونشرها في جريدة «العلم» المغربية الأعداد (٤١١٣، ٤١١٩، ٤١٣١) بتأريخ ربيع الثاني وجمادى الأولى ١٣٨٠، وهي بعنوان (صور من حياتنا الاجتماعية)، وهي في كتابنا «مقالات الهلالي» يسر الله نشره بمنه وكرمه.