للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تَقْبَلُ المشركة، ورأت أن عدم الاستغاثة بالأنبياء والصالحين يَحُطُّ من قدرهم، لأن مقامهم عند الله عال. فقالت الموحدة للمشركة: أترضين أن يتزوج عليك زوجك امرأة أخرى؟ فقالت: لا ثم لا. فقالت لها: أليس ذلك حلالًا في دين الإسلام؟! فقالت: بلى، ولكنني لا أرضى بذلك، لأن ذلك يدل على أنني لا أملأ عينه ولا أكفي رغبته، فقالت الموحدة: فكيف ترضين الله رب العالمين ما لا ترضينه لنفسك؟! فإن من دعا غير الله لم يكفه الله، فتأملت المرأة المشركة كلام الموحدة ففقهت واعترفت بخطئها، ولله المثل الأعلى.

ومن العجائب التي شاهدناها في بلدان مختلفة أن العامي الأمي من الرجال والنساء إذا وَحَّدَ الله ينفتح له باب العلم والفهم، حتى إنه يناظر علماء المشركين فيفحمهم ويهزمهم، كان معنا في بغداد رجل من الفلاحين لا يعرف إلا قراءة المصحف بلحن وصعوبة، فلما وَحَّدَ الله وتمسك بسنة الرسول صار علماء المذهب الحنفي يخافونه، وإذا رأوه في طريق سلكوا غيره، صلى مرة في المسجد المنسوب إلى أبي حنيفة ، ويسمونه جامع الإمام الأعظم، وهذا لقب منحه جهال الحكام من الأتراك لأبي حنيفة ، فصار المرء لا يسمع إلا مذهب الإمام الأعظم، وقول الإمام الأعظم، فقلت لهم: إن الإمام الأعظم على الإطلاق هو رسول الله ، ويطلق هذا اللفظ على خليفة المسلمين، فقالوا: إنك تبغض أبا حنيفة، فقلت: لا أبغضه، لأنه من أئمة السلف المثبتين لصفات الله تعالى كلها، ومنها علوه تعالى، واستواؤه على عرشه، وهو بريء ممن يفتي بالتقليد أو يقضي به أو يبيح التفرق في الدين، أو يعتقد اعتقاد الجهمية بأن الله ليس فوق العرش، بل هو في كل مكان، ولكنكم تعبدون خيالًا، وتسمونه الإمام الأعظم.

ومن الحكايات الطريفة التي وقعت لذلك الشيخ الفلاح وهو أبو عبد الله أنه ذهب قصدًا ليغيظ غلاة المقلدين فصلى معهم في مسجد أبي حنيفة فلما قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال أبو عبد الله: آمين، ورفع صوته ومده بها، وكان الإمام رقيق الدين خرج من المذهب الشافعي ودخل في المذهب الحنفي ليكون إمامًا لذلك المسجد، فلما فرغ من الصلاة غضب على أبي عبد الله وقال رافعًا صوته: من ذا الذي يصرخ بآمين (ليش الله أصمخ)؟! يعني: هل الله أصم؟ فقال له أبو عبد الله على البديهة: وأنت لماذا تصرخ بقولك: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، ليش الله أصمخ؟! فقال له: أنت (وكح) أي: وقح، فقال أبو


[٧] الفاتحة: ١ - ٧

<<  <  ج: ص:  >  >>