للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عبد الله: (أنا ما وكح) ولكن متمسك بسنة النبي، فقال الحاضرون: كيف تجادل العالم وأنت جاهل؟! فقال أبو عبد الله: بل هو الجاهل أو المخالف للسنة على عمد، لأن الجهر بالتأمين سنة (١)، ولا يستطيع هو أن يزعم أنه ليس بسنة. اهـ.

فائدة ثانية: قول البخاري : «خلق الأولين»، إشارة إلى قوله تعالى حكاية عن قول قوم هود لنبيهم حين دعاهم إلى عبادة الله وحده واتباع رسوله هود ، أجابوه بقولهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦ - ١٣٨]، قرئ (٢) (خُلق الأولين) بفتح فسكون، بمعنى: كذب الأولين لأن الخلق والاختلاق في اللغة هو الكذب، قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إفكا﴾ [العنكبوت: ١٧] أي: يكذبون كذبًا، وقرئ (٣) بضم الخاء واللام، بمعنى: العادة والطبيعة، فعلى القراءة الأولى يكون المعنى: هذا الذي تدعونا إليه يا هود إنما هو كذب الأمم السابقة وأساطيرهم وليس من الله كما تدعي، وعلى القراءة الثانية يكون المعنى على أحد وجهين:

الأول: هذا الذي تقوله يا هود ليس من الله، وإنما هو من عادة الأولين …

الثاني: معناه: نحن على عادة الأولين ودينهم، لا ننتقل عن ذلك إلى ما تدعونا إليه، وهذا أضعف الأقوال وأقواها أولها. اهـ.

فائدة ثالثة: قول (ك): «خبر بمعنى الإنشاء» أي: لا تبدلوا خلق الله، فعلى هذا يكون المعنى لا تبدلوا أيها الناس دين الله الذي بعث به رسله، وهو: توحيده وإقامة العدل والإحسان بين الناس، ومحاسن الأخلاق، وتحكيم شرع الله، فإن الله خلق عباده على الفطرة، فمتى عرض عليهم دين الحق مالت إليه قلوبهم وانشرحت له صدورهم ما لم تغير فطرتهم بتعليم كفري، كالمجوسية.


(١) انظر في ذلك كتابي: «القول المبين في أخطاء المصلين» (ص ٢٤٥ - ٢٤٧).
(٢) هذه قراءة ابن مسعود وعلقمة والحسن وأبي عمرو وابن كثير والكسائي ويعقوب وسهل. انظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٣ - ٣٤)، «الإتحاف» (٣٣٣)، «الكشف» (٢/ ١٥١)، «السبعة» (٤٧٢)، «النشر» (٢/ ٣٣٥)، «الحجة لابن خالويه (٢٦٨)، «إعراب القراءات السبع وعللها» (٢/ ١٣٦)، «زاد المسير» (٦/ ١٣٧)، «تفسير ابن عطية» (١١/ ١٣٧)، الدر المصون» (٥/ ٢٨٢).
(٣) هذه قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبي عمرو وخلف والأعمش وشيبة، ورجحها الطبري. انظر المراجع السابقة.

<<  <  ج: ص:  >  >>