للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الباب الثالث]

قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].

قال محمد تقي الدين: ذكر الحافظ (ك) في تفسير هذه الآية روايات كثيرة، حاصلها أن الأمانة هي الفرائض، والإنسان هو آدم، ثم ذكر أحاديث الأمانة أنقل شيئًا منها، روى أحمد والشيخان بسندهم (١) عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: «إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال (٢)، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة» (٣)، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من


(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٣)، والبخاري (٦٤٩٧)، ومسلم (١٤٣)، والترمذي (٢١٧٩)، وابن ماجه (٤٠٥٣) وغيرهم.
(٢) الجذر: الأصل، فجذر الشجرة أصلها، وجذر الأربعة اثنان، وخص الرجال بالذكر لأنهم المخاطبون، فالنساء مثلهم، وذلك على حد قول الشاعر:
كُتِبَ القتل والقتال علينا … وعلى الغانياتِ جَرُ الذُّيول
(٣) من المعلوم أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها، فإذا قطع عنها السقي أوشكت أن تيبس، فهكذا شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، والتفكّر على التذكّر إلا أوشكت أن تيبس، فالفطرة التي جعلها الله في أعماق الإنسان كالنبتة، تحتاج إلى سقي ونماء، وسقيها بالعلم، ونماؤها بالعمل، وهكذا كان الصحابة، علموا الكتاب والسنة، وحافظوا على الفطرة.
وبالجملة فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك، ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وظفها عليهم، وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غَرَسَه في قلوبهم.
ومنها: إن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بُدَّ أن يُخالطه دَغل ونَبْت غريب ليس من جنسه، فإن تعاهده رَبُّه ونَقَّاه وقَلَعه كمل الغرس والزرع، واستوى، وتم نباته، وكان أوفر لثمرته، وأطيب وأزكى، وإن تركه أوشك أن يغلب على الغرس والزرع، ويكون الحكم له، أو يضعف الأصل ويجعل الثمرة ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته، ومَنْ لم يكن له فقه نفس في هذا ومعرفة به، فاته ربح كبير وهو لا يشعر؛
=

<<  <  ج: ص:  >  >>