للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بطاعته ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: فائدة: عرض الله الأمانة، وهي التكاليف الشرعية على الأشياء المذكورة بكيفية يعلمها هو سبحانه، فخافت هذه الأشياء أن لا تقوم بعملها خير قيام، مع قوتها وعظم حجمها، وحملها الإنسان الضعيف، والمراد بالإنسان جنسه، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وقد فسر الإنسان في «التفاسير» التي عندي بأنه آدم، وفيه إشكال، لأن آدم لا يتصف بكثرة الظلم والجهل. بخلاف الجنس، فإن أكثرهم متصفون بذلك (٢)، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.

فائدة ثانية: ذكر حذيفة في الحديث الذي رواه عن النبي حديثين، أحدهما قد رآه والآخر لم يره، ولكنه ينتظره، الحديث الأول، رفع الأمانة من قلوب الرجال، وقد عاش حذيفة إلى أن رأى ذلك، فقبل رفع الأمانة كان يعامل جميع الناس من المسلمين وأهل الذمة، ولا يخشى غدرًا ولا خيانة، أما بعد رفع الأمانة صار لا يعامل إلا من يعرفه ويثق به.

فائدة ثالثة: وصف النبي ارتفاع الأمانة من قلوب الرجال، وشبهه بموضع من جسم الإنسان وقعت عليه جمرة فانتفخ، فإذا رآه الإنسان منتفخًا.


(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (١١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).
(٢) إلا من اعتنى بنفسه، وحصل نصيبًا من (التزكية) التي ترفع (الظلم)، و (العلم) الذي يرفع (الجهل)، ولذا بعث النبي مزكيًا معلمًا، كما جاء في غير ما آية، والتزكية لا تتحصل إلا بالتربية، والعمل الصحيح لا يتحصل إلا بالتصفية، ولذا كان الشعار السلفي في الإصلاح: (التصفية والتربية)، وهما بمثابة الوسائل لتحصيل (التزكية والعلم)، وقد بسطت هذا المعنى في مقالة نشرتها في مجلة «الاستقامة» البحرينية، العددان السابع عشر والثامن عشر، جمادى الأولى والآخرة ١٤٢٦ (ص ٣٢ - ٣٤) وهي بعنوان (نظرة تأصيلية في التصفية والتربية الإيمانية من الشعار السلفي في عملية التغيير).

<<  <  ج: ص:  >  >>