للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] فإذا عرض الحق على الإنسان لأول مرة وكان سليم القلب من اتباع الهوى، فإنه يستعمل فكره فيرى الحق حقًا فيؤمن به ويهتدي فيزيده الله هدى، وإذا عرض عليه الحق فمنعه الهوى من النظر فيه والتفكير بقلب سليم، فكذب به اتباعًا لهواه أضله الله وختم على قلبه فلا يستطيع أحد أن يهديه، وقال تعالى في سورة الصف: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فلو لم يزيغوا لهداهم الله، وقال تعالى في سورة فصلت: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٧ - ١٨].

والإرادة الثانية: إرادة شرعية، وهي في معنى الرضى، فلا يريد الله تعالى بهذه الإرادة الشرعية إلا ما شرعه لعباده، قال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وقال تعالى في سورة الأعراف إخبارًا عن الكفار: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩] وقال تعالى فيها أيضًا: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]. اهـ.

قال محمد تقي الدين: فلو لم يتخذوا الشياطين أولياء من دون الله لما حقت عليهم الضلالة، والآيات في هذا المعنى أكثر من أن تحصى، فمن احتج بالقدر على استمراره في الكفر أو في المعاصي، فهو جاهل بحقيقة إرادة الله تعالى، أو مغالط مكذب، كما تقدم في آيات الأنعام، ولنضرب لذلك مثلًا والله المثل الأعلى: جماعة من الناس قصدوا رجلًا غنيًا وقالوا له: نحن نحسن التجارة ونربح فيها، ونخرج من هذا الفقر المؤلم، ولنا عليك حق، فلو أقرضت كل واحد منا شيئًا يتخذه رأس مال لكنت سببًا في إنقاذنا من ألم الفقر دون أن تخسر شيئًا، فإننا نأخذ الربح ونرد لك رأس المال، وهذا الرجل الغني يعلم أن بعضهم صادق فيما ادعاه، وبعضهم كاذب يدعي ما لا يقدر عليه، فأعطى كل واحد منهم مقدارًا معلومًا من المال، وضرب لهم أجل خمس سنين مثلًا، وبعد مضي الأجل استرد منهم رأس المال. فأما الذين كانوا صادقين، فإنهم ردوا

<<  <  ج: ص:  >  >>