للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التامة والحجة البالغة في هداية من هدي وإضلال من ضل (١) ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين» (٢).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: قد أجاد الحافظ (ك) في الرد على المحتجين بالقدر. ومما يزيد كلامه وضوحًا أن يقال: قال الله تعالى في سورة الدهر: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وقال تعالى في سورة الشمس: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٨ - ١٠] وقال تعالى في سورة البلد: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أي: طريق الخير وطريق الشر وسبب الاحتجاج بالقدر الجهل بإرادة الله تعالى، وعدم التمييز بين الإرادة القدرية والإرادة الشرعية (٣)، فإن الله تعالى قدر كل شيء بمعنى أنه عالم بما سيختاره عباده، وأن بعضهم سيختار طريق الخير، وهو الإيمان بالله وطاعته واتباع رسله، وبعضهم سيختار طريق الشر، وهو الكفر بالله ومعصيته ورد ما جاءت به رسله، فمن اختار منهم طريق الخير والهدى هداه الله ووفقه، قال تعالى في سورة محمد: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وقال تعالى في سورة التغابن: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] وقال النبي الله في حديث أبي ذر الطويل فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» (٤). فكل من استهدى الله هداه بيقين، وهو الذي لا يخلف الميعاد، وقال تعالى فيمن اختار طريق الشر في سورة البقرة: ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٦] أي: بالمثل أو بالقرآن ﴿كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أضل».
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٣) انظر: ما سيأتي في (٦/ ١٨) من التفريق بينهما، ففيه تفصيل جيد.
(٤) مضى تخريجه.

<<  <  ج: ص:  >  >>