قال (ك): ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾ أي: بالنبوة، ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ قال ابن جرير:«يعني: من الأمور الدينية لا الدنيوية»(١). وهذا الذي قاله حسن جيد، ثم رد قول من زعم أن ﴿بَعْضَ﴾ ههنا بمعنى «كل» واستشهد بقول لبيد (٢) الشاعر حيث قال:
تَرَّاكَ أمكنة إذا لَمْ أَرضَهَا … أو يعتلق بعض النفوسِ حِمَامُها
وأولوه على أنه أراد جميع النفوس، قال (ج): «إنما أراد نفسه فقط، وعبر بالبعض عنها، وهذا الذي قاله محتمل، وقوله ﷿: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ (٣) فيما جئتكم به، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: أنا وأنتم عبيد له فقراء إليه مشتركون في عبادته وحده لا شريك له: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الرب [جل وعلا] وحده» (٤). اهـ.
[فصل]
قال محمد تقي الدين: فائدة، قوله تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ ليس ﴿بَعْضَ﴾ ههنا بمعنى كل لأن عيسى ابن مريم ﵇ لم يجئ بنسخ شريعة موسى كلها كما جاء محمد ﷺ بنسخ جميع الشرائع التي قبله، وإنما جاء بنسخ بعضها كالعمل يوم السبت، إذا كان فيه خير وفي تركه شر، كإنقاذ الغريق، وعلاج المريض، وإعانة المحتاج، ويؤيد هذا قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠].
فائدة ثانية: قول عيسى ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ الآية، انظر أيضًا «البراهين الإنجيلية» فقد جاء فيها أن سائلًا سأل عيسى ﵇ عن الوصية الأولى من الوصايا العشر، التي في التوراة فأجاب قائلًا:«اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا واحد وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك.» اهـ من (الصفحة ١٤).
(١) انظر: «تفسير ابن جرير» (٢٠/ ٦٣٧). (٢) انظر: «ديوانه» (٢٢٨، ط. دار القاموس)، والمذكور من (معلقة) له. (٣) كذا في مطبوع تفسير ابن كثير، وهو الصواب، وفي الأصل: «وأطعوني»!! (٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤).