ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: باتباعكم الرسول (١)ﷺ يحصل لكم هذا من بركة سفارته، ثم قال تعالى أمرًا لكل أحد من خاص وعام: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: خالفوا (٢) أمره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب من اتصف بذلك وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب الله ويتقرب إليه حتى يتبع (٣) الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه والدخول في طاعته واتباع شريعته كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] إن شاء الله تعالى (٤).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: هذه الآية هي الفاصلة بين المحقين والمبطلين والصادقين والكاذبين؛ فإن كل من يدعي الإسلام ويدعي أنه يحب الرسول ﷺ(٥)؛ ولكن الله تعالى بهاتين الآيتين وضع امتحانًا للمدعين وهو الاتباع، فمن اتبع الرسول تصديقًا وعملًا بما جاء به، ولم يردّ من حديثه شيئًا والتزم الحكم بالشرع الذي جاء به فهو محق، ومن أعرض عما جاء به فهو كاذب في ادعائه.
ومن أدلة الاتباع الدالة على المحبة الصادقة في حق الأمم: العزة والنصر، فإن الله تعالى يقول في سورة آل عمران: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. فإذا كانوا أذلة استمر عليهم الذل زمانًا طويلًا فليسوا بمؤمنين؛ لأن الله وعد المؤمنين بالنصر والله لا يخلف الميعاد، فإذا كان العدو يساوي المسلمين في العدد وانهزم المسلمون مرة بعد مرة وطال زمان غلبته فأولئك ليسوا مؤمنين حقا، لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٦)[النساء: ١٤١].
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «للرسول». (٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «عن». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يتابع». (٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٦ - ٤٧) بتصرف. (٥) هذه الجملة لا خبر لها: كذا في الأصل. (٦) ولا سيما أن ﴿سَبِيلًا﴾ نكرة في سياق النهي، وهذا من ألفاظ العموم، وعليه بنى بعض الفقهاء حرمة أي عمل فيه احتقار وإهانة للمسلم من قبل الكافر.