لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعام (١) ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، ثم قال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال، جملوا النساء وأعطوهن السلع ثم أرسلوهن إلى المعسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كفيتموهم، ففعلوا.
فلما دخلت النساء المعسكر (٢) مرت امرأة من الكنعانيين برجل عظيم من بني إسرائيل فلما رآها أعجبته، فقام فأخذ بيدها وأتى بها موسى، وقال: إني أظنك ستقول: هذا حرام عليك لا تقربها؟ قال: أجل، هي حرام عليك. قال: فوالله لا أطيعك في هذا، فدخل بها قبته فوقع عليها، وأرسل الله ﷿ الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى غائبًا، فجاء والطاعون يجوس فيهم، فأخبر الخبر فأخذ حربته - وكانت من حديد كلها - ثم دخل القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، وجعل يقول:«اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك» ورفع الطاعون، فبلغ عدد الهالكين سبعين ألفًا، ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾» (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ أي: صار مثل الكلب في ضلاله واستمراره فيه هذا من حيث أن الكلب من عادته أن يلهث، إن زجرته أو تركته، وكذلك بلعام لم يعد ينتفع بالدعاء إلى الإيمان أو عدم الإيمان، ففي الحالتين لا ينتفع بالموعظة ولا بالدعوة إلى الإيمان، وذلك كما قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].
وقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ﴾ أي: لعل بني إسرائيل العالمين.
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «بلعم». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «العسكر». (٣) أخرجه ابن جرير في «التفسير» (١٠/ ٥٧٩ - ٥٨١)، وفي «التاريخ» (١/ ٤٣٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٠/ ٤٠١ - ٤٠٣) وإسناده ضعيف جدا، فهو من معضل سالم أبي النضر، وسالم هذا متروك، وفيه محمد بن حميد شيخ ابن جرير متروك، وعنعنة ابن إسحاق وهو مدلس.