للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يذم من قلد العلماء المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر - وهم أهل العلم ـ، وذلك تقليد لهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم، فالجواب: أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه، فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب السائغ إن شاء الله.

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٢٦] والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم كما سيأتي وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ فأمر باتباع المُنْزَل خاصة والمقلد ليس له علم أن هذا هو المنزل، وإن كان قد تبينت له الدلالة في خلاف قول من قلده فقد علم أن تقليده في خلافه اتباع لغير المنزل.

وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] فمنعنا سبحانه من الرد إلى غيره وغير رسوله وهذا يبطل التقليد، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلًا بعينه عيارًا (١) على كلام الله وكلام رسوله وكلام سائر الأمة، يقدمه على ذلك كله ويعرض كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة على قوله، فما وافقه منها قَبِلَه لموافقته لقوله، وما خالفه منها تلطف في ردّه، وتطلب (٢) له وجوه الحيل، فإن لم تكن هذه وليجة فلا ندري ما الوليجة.

وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٦، ٦٧] وهذا نص في بطلان التقليد فإن قيل: إنما فيه ذم من قلد من أضله السبيل، أما


(١) كذا في مطبوع «الإعلام»، وفي الأصل: «مختارًا»!
(٢) في مطبوع «الإعلام»: «وطلب».

<<  <  ج: ص:  >  >>