للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سبحانه بالاستقامة المذكورة، بيد أن الغلو في العبادة والإفراط في الطاعة على وجه يخرج به عن الحد الذي حده، والمقدار الذي قدره، ممنوع منه منهي عنه، وذلك كمن يصوم ولا يفطر، ويقوم الليل ولا ينام، ويترك الحلال الذي أذن الله به ورغب فيه، ولهذا يقول الصادق المصدوق فيما صح عنه: «أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) (٢).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: الأمر بالاستقامة المطابقة لما أمر الله به وهو الكتاب والسنة، والنهي عن الطغيان، كل ذلك عام لا يخص قومًا دون قوم ولا زمانًا دون زمان. وقوله تعالى: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ مقيد للاستقامة لتكون طبق الأمر، فإذا خالفته فهي غير مقبولة. و (الطغيان) تجاوز الحد الذي حده الله في العقائد والعبادات وأحكام الشريعة، وقد أحسن الإمام القنوجي عندما أورد حديث الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي فلما سمعوها كأنهم تقالوها، وأرادوا الزيادة عليها، فغضب عليهم النبي ، وأخبرهم أنه جاء بالاعتدال والتوسط في العبادات ومراعاة جميع الحقوق والواجبات، فإنَّ المتعبد إذا أفرط في نوع ضيع غيره.

ويحسن هنا أن يورد حديث زيارة سلمان لأبي الدرداء، إذ وجده قد أفرط في الصيام والقيام، وإهمال حقوق زوجته وضيفه ونفسه فقال له: «إن لربك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه». فلما بلغ ذلك النبي قال: «صدق سلمان» (٣). وهذا يبطل ما عليه أصحاب الطرائق وسائر المتصوفة من الترهب بدخول الخلوة، واعتزال الناس (٤) والسياحة للتعبد بها لا للجهاد ولا حج ولا طلب علم، فقد


(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر: «فتح البيان» (٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨) بتصرف.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) العزلة لها شروط وقيود، وهي لا تنفع جميع الناس، وهي نافعة لأصحاب العلم والهمم العالية، الذين يعرفون ما لهم وما عليهم، وقد صدق من قال: «العزلة بغير عين العلم (زلة)، وبغير زاي الزهد (علة)، كذا في «المرقاة» (٤/ ٧٤٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>