وهذا الركن الذي يسمونه (الخروج في سبيل الله) وما يلزمه من التقشف في المعيشة هو بعينه السياحة التي تقدم ذكرها ونهى عنها النبي ﷺ، وهي (بدعة) محضة لم يفعلها النبي ﷺ، فإنه خرج إلى الطائف لدعوة أميرها .. ولم يكن معه إلا خادمه مولاه - أي عبده المعتق - زيد بن حارثة، فلما دعا أمير الطائف رد عليه ردًا قبيحًا، وقعد له سفهاء الطائف في طريقه سماطين - أي: صفين - ورموه بالحجارة حتى سال الدم من رجليه ﵊ ثم رجع إلى مكة، والقصة معروفة في السيرة (١)، ولم يخرج معه أحد من المسلمين من أهل مكة، وكذلك توجه إلى دعوة أحد رؤساء العرب - وهو: ابن عبد ياليل بن عبد كلال - وحده فرد عليه ردًّا قبيحًا.
فأصابه من الغم ما أذهله، حتى أنه مشى في البرية مغمومًا محزونًا، فلم يشعر إلا وهو في قرن الثعالب، فرفع بصره إلى السماء فرأى سحابة وفيها جبريل ومعه مَلَكُ الجبال، فسلَّم مَلَكُ الجبال على النبي ﷺ، وأخبره أن الله تعالى أمره أن يفعل ما يأمره به النبي ﷺ، وقال له: إن شئتَ أطبقت عليهم الأخشبين، أي: الجبلين، فقال النبي ﷺ:«إني أرجو أن يخرج الله من ظهورهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا»(٢).
وهذا أشد يوم على النبي ﷺ. فإن عائشة ﵂ سألته: هل مر عليك يوم أشد من يوم أحد؟ فقال لها:«نعم» وأخبرها بالحكاية المتقدمة.
وفي غزوة أحد كان المشركون قد حفروا حفرًا في الجبل، فسقط النبي ﷺ في إحدى الحفر فأغمي عليه، ودخلت حلقة من حلقات المغفر في خد النبي ﷺ، فأخرجها أحد الصحابة عاضًا عليها بأسنانه حتى انكسرت له سن، وكسرت رباعية النبي ﷺ أي سنه - في ذلك السقوط، وجرحت شفته وسال الدم من وجهه، ولما استفاق ورجع إلى المعسكر خرج له أبي بن خلف راكبًا على فرس له مدججًا بالسلاح، فقال: أين محمد؟ فانتدب عشرة من الصحابة لقتاله، فمنعهم النبي ﷺ، وخرج له وهو على تلك الحال، وأخذ حربة وكان عدو الله قد غطى جسمه بالحديد ورأسه كذلك، ولا يظهر منه إلا ثغرة في نحره، فطعنه النبي ﷺ
(١) أخرجه مسلم (١٧٩٥) من حديث عائشة. (٢) أخرجه مسلم (١٧٩١) من حديث أنس.