للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالحربة في تلك الثغرة، فسقط على الأرض ومات بعد ذلك» (١)، ورجع النبي مظفرًا منصورًا.

فهذه هي الشدائد التي أصابته في يوم أحد، ومع ذلك كانت هذه الشدائد أهون عليه مما أصابه من الغم حين دعا ذلك الكافر ولم يجبه؛ لأنه كان في يوم أحد معه جيش، وفي يوم قرن الثعالب لم يكن معه أحد، وادعاؤهم أن تلك البدعة سنة النبي وأصحابه ولولا ذلك لم ينتشر الإسلام في الشرق والغرب باطل؛ لأن الصحابة حين نشروا الإسلام خرجوا للجهاد في سبيل الله، وكانوا لا يتركون بلدًا حتى يسلم أهله أو يصالحوا المسلمين، أو يكونوا تحت ذمتهم وترتفع فيه راية الإسلام ويحكم بشريعته، ثم يتقدمون إلى بلد آخر، لا على طريقة السياحة الصوفية المقتبسة من الديانة الوثنية التي ليس فيها جهاد ولا تغيير منكر، بل فيها إقرار المناكر والسكوت عليها، والصلاة عند الأضرحة المعبودة وفاعلها ملعون على لسان النبي (٢).

فقياس هذه السياحة على الجهاد في سبيل الله من أفسد القياس، وفي هذه السياحة مفاسد كثيرة، منها: تضييع العيال، وقد قال النبي : «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول» (٣). وقد جاء رجل إلى النبي وعرض عليه نفسه ليجاهد في سبيل الله معه، فقال له: «ألك والدان؟» قال: نعم. قال: «ارجع ففيهما فجاهد» (٤) أي: ارجع إلى برهما وخدمتهما، فهي أفضل من الجهاد.

وهؤلاء الإلياسيون يكرهون الناس بسيف الحياء على السياحة، فإذا اعتذروا لهم بالوالدين الضعيفين أو بالأولاد والزوجة أو بالتجارة أو بالعمل الذي التزمه الإنسان، فوجب عليه أداؤه وحرم عليه تركه كالأجير والمعلم، يقولون: اترك ذلك وتوكل على الله، وكيف يترك ما أوجبه الله عليه وينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ويخون الأمانة، ويكون مع ذلك متوكلًا على الله وخارجًا في سبيل الله؟


(١) أخرجه عبد الرزاق (٥/ ٣٥٥)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٣٠٤) في «مصنفيهما»، والحاكم (٢/ ٣٢٧)، وله طرق عديدة، يثبت بها، وينظر له «فتكات الأسد في مقاعد القتال بأحد» لأبي تراب الظاهري (٥٧، ٧٠، ٨٢، ٨٦، ١٥٣).
(٢) انظر: الأحاديث الواردة في ذلك (١/ ٣٩٥)، وهناك تخريجها، والله الموفق، لا رب سواه.
(٣) أخرجه مسلم (٩٩٦) من حديث عبد الله بن عمرو بنحوه.
(٤) أخرجه البخاري (٣٠٠٤)، ومسلم (٢٥٤٩) من حديث عبد الله بن عمرو.

<<  <  ج: ص:  >  >>