الخروج عنها من العظائم، وفي كلام أحمد إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم. إنما المذموم المنكر الحرام: الإقامة على ذلك بعد بلوغ الحجة، نعم وينكر الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإقبال على تعلم الكتب المصنفة في الفقه استغناء بها عن الكتاب والسنة، بل إن قرؤوا شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإنما يقرؤون تبركًا لا تعلمًا وتفقهًا. أو لكون بعض [الواقفين](١) وقف على من قرأ البخاري مثلًا؛ فيقرؤونه لتحصيل الوظيفة لا لتحصيل الشريعة، فهؤلاء من أحق الناس بدخولهم في [قوله](٢) تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ٩٩، ١٠٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ إلى قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧].
فإن قلت: فماذا يجوز للإنسان من قراءة هذه الكتب المصنفة في المذاهب؟ قيل: يجوز من ذلك قراءتها على سبيل الاستعانة بها على فهم الكتاب والسنة، وتصوير المسائل، فتكون من نوع الكتب الآلية، أما أن تكون هي المقدمة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الحاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه المدعو إلى التحاكم إليها دون التحاكم إلى الله والرسول ﷺ فلا ريب أن ذلك مناف للإيمان مضاد له، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فإذا كان التحاكم عند المشاجرة إليها دون الله أو رسوله إثمًا إذا قضى الله ورسوله أمرًا وجدت الحرج في نفسك، وإن قضى أهل [ذلك](٣) الكتاب بأمر لم تجد حرجًا، ثم إن (٤) قضى الرسول ﷺ بأمر لم تسلم له، وإن (٤) قضوا بأمر سلمت له، فقد أقسم (٥) الله تعالى سبحانه وهو أصدق القائلين بأجل مقسم به، وهو نفسه ﵎ أنك لست بمؤمن والحالة هذه، وبعد ذلك، فقال: قال الله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤، ١٥] على أن الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم، قد نهوا عن تقليدهم مع ظهور السنة، فكلام أحمد الذي ذكره المصنف كافٍ عن تكثير النقل عنه. وقال
(١) في مطبوع «التيسير»: «الموقفين». (٢) في مطبوع «التيسير»: «قول الله». (٣) غير موجود في مطبوع «التيسير». (٤) في مطبوع «التيسير»: «إذا». (٥) كذا في مطبوع «التيسير»، وفي الأصل: «قسم»!