قبل إسلامه أكبر علماء اليهود في المدينة، وإسلامه حجة على اليهود؛ لأنه لم يسلم إلا بعد أن سأل النبي ﷺ عن أصعب المسائل الواردة في الكتب السابقة، فأجابه عن كل ذلك بما بهره، وقد ذكرنا قصة إسلامه فيما مضى (١) وهذه القصة التي ذكرها عبد الله بن سلام للنبي ﷺ في التوارة بذلت كل ما استطعت من الجهد أن أجدها في مجموعة العهد القديم فلم أجدها، وقرأت البشارات التي ذكرها مؤلف كتاب «إظهار الحق»(٢) رحمة الله علي بن خليل الرحمن الهندي مما وجده في التوراة والإنجيل، وهي ثماني عشرة بشارة (٣)، ولم يذكر فيها حديث عبد الله بن سلام (٤) المتقدم الذكر.
فلعل اليهود حذفوه، فإن من أمعن في قراءة التوراة يعلم يقينًا أن اليهود حذفوا كثيرًا منها، وقد بقي فيها كثير مما هو حُجَّة عليهم (٥)، انظر كتاب «إظهار الحق».
والمراد هنا أن النبي ﷺ مبشر لكل من اتبعه من الناس بإدراك سعادة الدنيا والآخرة، ونذير لمن خالفه - سواء أكان يدعي الإسلام أم لا يدعيه - بالشقاء في الدنيا والآخرة، هذا في حق مَنْ بلغته سنته، أو قدر على البحث عنها فلم يبحث، وسماه الله سراجًا منيرًا؛ لأنه أضاء للبشر سبيل معاشهم ومعادهم، فمن اتبعه جعل الله له نورًا يمشي به في حياته فلا يضل أبدًا، ومن خالفه لم يجعل الله
(١) انظرها وهنالك التخريج. (٢) انظره (٤/ ١١١٧ - ١١١٨٥). (٣) سبق الإيماء إليها (٣/ ١٤٥) وينظر (١/ ١٤٩ - ١٥٣). (٤) جعله بعض الكذابين، وهو أحمد بن عبد الله الجويباري نحوًا من ألف مسألة أو أكثر، وفصل كذبه فيه الإمام البيهقي في جزء مفرد بعنوان «جزء الجويباري»، وهو مطبوع بتحقيقي ضمن «مجموعة أجزاء حديثية» (٢/ ٢١١ - ٢٤٠). (٥) عناية المصنف بـ «التوراة وترجمتها إلى العربية، وتطلبه النسخ الخطية منها وشروحها» أمر ظاهر في رسائله مع الأستاذ المحقق المدقق، العلامة اللغوي البارع الفلسطيني ربحي توفيق كمال (ت ١٤٠٠ هـ - ١٩٧٩ م)، وقد وقفت على رسائل متبادلة بينهما، فيها علم غزير، وتتبع دقيق لهذا الأمر، ووضعتها في (مراسلاته) ضمن الترجمة التي أعدها للهلالي، يسر الله إتمامها بمنه وكرمه.