وفي «الصوارم»: «قال ابن مسعود: «ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا؛ إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر»(١)، وقال:«ليس تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره»(٢).
ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره. وقد انطوت القرون الفاضلة ببراءة أهلها (٣) من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، فمن ليس كذلك لا يكون بقوله: أنا مالكي، - مثلا - مالكيا، بل هي مجرد دعوى كاذبة، وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام.
وأبعد منه القول بلزوم واحد من الأربعة، فيا الله [للعجب](٤)، ماتت مذاهب الصحابة والتابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام وبطلت جملة إلا مذاهب أربع أنفس فقط من بين الأئمة والفقهاء، وهل قال بذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه، أو دلت لفظة واحدة من كلامه عليه، والذي أوجبه الله ورسوله على الصحابة والتابعين هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة؟
وإذا تأملت هذا يظهر لك أن التقليد لمذهب إمام معين من غير نظر إلى دليل من الكتاب والسنة جهل عظيم؛ لأنه مجرد هوى وعصبية، والأئمة المجتهدون قاطبة على خلافه؛ لأنه صح عن كل واحد منهم ذم التقليد بغير دليل وإبطاله، ويظهر لك أنه يجوز لمن يقتدي بمذهب إمام معين أن يجتهد وينظر إلى
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» رقم (٨٧٦٤)، وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٩٧، ١٤٧)، وذكره ابن عبد البر في «الجامع» (١٨٨٢) دون إسناد، وقال الهيثمي في «المجمع» (١/ ١٨٠): «رجاله رجال الصحيح». قلت: لكنه منقطع، قاله ابن حزم. وانظر - غير مأمور - تعليقنا على: «الإحكام». (٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٩)، وذكره التقي الفاسي في «ذيل التقييد» (١/ ٣٦٧) عن أبي نعيم في ترجمة (محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم)، والصحيح أنه من قول أيوب السختياني، أخرجه الدارمي في «سننه» (٦٧٦)، وأبو زرعة الدمشقي في «تاريخه» (٢/ ٦٨٠) رقم (٢٠٧٢). ولفظ الدارمي: «إذا أردت أن تعرف خطأ معلمك، فجالس غيره» ولفظ أبي زرعة: «لا تعرف خطأ … » مثل الذي عند المصنف. (٣) من مطبوع «الصوارم»، وسقط من الأصل. (٤) غير موجودة في مطبوع «الصوارم».