للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: هذه صفة الأبرار عند سماع كلامه [بما يفهمونه] (١) منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ذلك لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه: أحدها: إن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات. الثاني: إنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا، بأدب وخشية ورجاء ومحبة، وفهم وعلم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] أي: إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة، لا عن جهل وتقليد أعمى ومتابعة لغيرهم. الثالث: إنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة (٢) يسمعونها وتقشعر جلودهم وتلين قلوبهم إلى ذكر الله، ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم، بل عندهم من الأدب والسكون والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك، ولهذا فازوا بالرضا والمدح من الله في الدارين بخلاف بعض الجماعات الذين تذهب عقولهم ويغشى عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هذه صفات من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك، فهو ممن أضله الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٣).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: كل من شرح الله صدره للإسلام الذي جاء به محمد رسول الله بلا تبديل ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان يكون على نور من ربه يخرجه الله من الظلمات إلى النور، ويكون قلبه لينًا إذا سمع كتاب الله اقشعر قلبه ولان جلده وانتفع بكتاب الله وكان من المهتدين، ولا يمكن مع ذلك أن يرد شيئًا من كتاب الله أو من سنة رسوله ؛ لتقليد أو تمذهب أو تعصب لحزب أو وطن


(١) في مطبوع «التيسير»: «لما يفهمون».
(٢) بعدها في مطبوع «التيسير»: «».
(٣) انظر: «تيسير العلي القدير» (٤/ ٤٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>