قال (ك): «ينكر ﵎ على اليهود والنصارى (١) محاجتهم في إبراهيم الخليل ﵇، ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم كما قال محمد بن إسحاق بن يسار حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن (٢) ابن عباس ﵁ قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود، عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ (٣) الآية أي: كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديًا وقد كان زمنه قبل أن تنزل التوارة على موسى، وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيًا وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٤) ثم قال تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية، هذا الكلام على من حاج (٥) فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها (٦)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أي: متحنفًا عن الشرك، قاصدًا إلى الإيمان ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول
(١) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «في». (٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأثبته من مصادر التخريج. (٣) أخرجه ابن إسحاق في «السيرة» - كما في سيرة ابن هشام (١/ ٥٥٣) ـ، وابن المنذر في «تفسيره» (١/ ٢٤٤) رقم (٥٧٢) مقطوعًا على ابن إسحاق، وأخرجه ابن جرير في «تفسيره» (٦/ ٤٩٠) رقم (٧٢٠٢)، والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٨٤) من طريق ابن إسحاق بسنده إلى ابن عباس موقوفًا عليه، وإسناده ضعيف، فيه شيخ ابن إسحاق محمد بن أبي محمد مجهول. (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «إنكار». (٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يحاج». (٦) كذا في مطبوع تفسير ابن كثير، وفي الأصل: «وجليتها».