للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المستحق للألوهية] (١) وحده لا شريك له، وله العزة التي لا ترام والحكمة والأحكام، وهذه الآية فيها (٢) تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق كما خلق الله سائر البشر؛ لأن الله صوره في الرحم، وخلقه كيف يشاء، فكيف يكون إلهًا كما زعمته النصارى (٣)، وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦]» (٤).

قال محمد تقي الدين: ابتدأ الله هذا الكلام بقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] فنزه نفسه عن الشرك لينزه عباده عنه، وختمه بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] وذكر فيما بينهما إنزال الكتب من السماء «هدى» ورحمة للمؤمنين، وأخبر أن الذين كفروا بهذه الكتب وبمن جاء بها لهم عذاب شديد، يعني في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى في سورة الرعد: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] أخبر سبحانه أنه العزيز الذي لا يغالب، ومن تمسك بطاعته وتوحيده ضمن له العزة الأبدية، وأخبر سبحانه أنه ذو انتقام من المرتدين والجاحدين، وأخبر ومن دلائل ربوبيته أنه ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، وأنه يخلق عباده ويصورهم في الأرحام كيف يشاء، فكيف تصرف الوجوه إلى غيره؟! وكيف يتوجه الداعي بدعائه إلى سواه؟! ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].

[الباب الثاني]

قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنَّ


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الإلهية».
(٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تعريض بل».
(٣) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «عليهم لعائن الله».
(٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٥ - ٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>