للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (١)، ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ كما قال في الآية الأخرى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ (٨٨) ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)[مريم: ٨٨ - ٩٥] (٢).

قال محمد تقي الدين: في هذا الباب فوائد:

الأولى: غلو النصارى في عيسى ابن مريم ، وهذا الغلو لا يقبله أي عقل سليم، ولا يتفق أبدا مع الفطرة التي فطر الله عليها عباده، فإن عيسى بشر ولدته امرأة، فتعالى الذي خلق السموات والأرض أن يكون في رحم امرأة، ثم يربى بالرضاعة والرعاية، ويجوع ويأكل، ويعطش ويشرب، ويتعب ويركب، ويمرض ويشفى، ولكن الدعاية الفاسدة تفسد فطرة بني آدم، وتمسخ عقولهم حتى يعتقدوا مثل هذه العقيدة، انظر كتابي البراهين الإنجيلية على أن عيسى داخل في العبودية ولا حظ له في الألوهية (٣).

الثانية: تأمل قول النبي محمد : «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٤). والحديث الذي بعده، ومع ذلك غلب الجهل على قوم فأطروه وعصوه، وقال قائلهم (٥):


(١) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أي: يكن خيرا لكم».
(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٨٥ - ٣٩٠) بتصرف.
(٣) طبع عن دار الثقافة، مكة، عام ١٣٩٣ هـ، ثم نشر على حلقتين في مجلة «الجامعة السلفية» المجلد السابع عشر، العددان: الثاني والثالث، الهندية سنة ١٤٠٥ هـ، ووجدته - فيما بعد - قد نشر قبل ذلك في مجلة «الإحياء» المغربية، المجلد الثاني، الجزء الأول، ذو الحجة، ١٤٠١ هـ، وسأنقل منه في التعليق على (٢/ ٢٧ و ٣/ ١٦٨) بعض البراهين والأدلة من «الإنجيل» على عبودية عيسى لله ﷿، وأنه ليس بإله، فانتظره فإنه مفيد، وينظر ما سيأتي قريبا (ص ٣١٠).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) الأبيات من قصيدة «البردة» للبوصيري، وهي منتقدة انتقده بسببها غير واحد، وبينت ذلك =

<<  <  ج: ص:  >  >>