نزول هذه الآية، أنه لما وقعت الحرب بين النبي ﷺ وبين بني قينقاع من يهود المدينة؛ جاء عبادة بن الصامت ﵁ وكان حليف بني قينقاع في الجاهلية - إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! إني أبرأ من بني قينقاع، وأتولى الله ورسوله، وجاء عبد الله بن أبي - رأس المنافقين - فأخبر النبي ﷺ أنه ثابت على موالاة حلفائه في الجاهلية، بني قينقاع، ففيهما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾، إلى ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١).
قال (ك): يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة، أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير له (٢) منه، وأشد منعة وأقوم سبيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٦، ١٧] أي: بممتنع ولا صعب، وقال تعالى ههنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي: يرجع عن الحق إلى الباطل، قال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه، رواه ابن أبي حاتم (٣)، وقال [أبو بكر بن عياش](٤) في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هم أهل القادسية، وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩](٥)، وقوله ﷿: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ أي: لا يردهم عما هم فيه من
(١) انظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٢٥٣ - ٢٥٦). (٢) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «لهما»! (٣) في «تفسيره» (٤/ ١١٦٠) رقم (٦٥٣٧)، وابن جرير في «تفسيره» (٨/ ٥١٩)، والبيهقي في «الدلائل» (٦/ ٣٦٢)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٣٠٩، ٣١٠) بإسناد صحيح إلى الحسن، وهو مرسل عنه، والأثر ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥١٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وخيثمة الأطرابلسي في «فضائل الصحابة». (٤) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير» وهو الصواب، وتحرف في الأصل إلى «ابن عباس»! ثم وجدته مسندًا على الجادة عند ابن أبي حاتم (٤/ ١١٦١) رقم (٦٥٣٩). (٥) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي صفة رسول الله ﷺ: أنه الضحوك القتال، فهو الضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.