للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] (١).

قال محمد تقي الدين: قول النبي : «فإذا لقن الله عبده حجته، قال: أي رب، وثقت بك، وخفت الناس … » (٢) وثبت في «الصحيح» إلى آخره .. في هذا دليل على لطف الله ورحمته بعباده، فمن عجز عن تغيير المنكر بيده أو بلسانه، ورأى أن ذلك يوصله إلى الهلاك ترك التغيير باليد واللسان، واكتفى بتغيير المنكر بقلبه (٣)، والله يعذره بعجزه وضعفه.


(١) انظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٢٦٨ - ٢٦٩).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) لتغيير المنكر أربع درجات: أن يزول ويخلفه ضده، أن يقل وإن لم يزل بجملته، أن يخلفه ما هو مثله، أن يخلفه ما هو شر منه. فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة. قاله ابن القيم في «الإعلام» (٤/ ٣٣٩ - بتحقيقي).
والحال التي ذكرها المصنف، يزاد عليها: إن فعل صابرًا محتسبًا قيامه في ذلك عند الله ﷿ صح وكان مأجورًا، وبسط ذلك ابن المناصف في كتابه البديع «الإنجاد» (١/ ١٤ - بتحقيقي). ومما يلزم معرفته بهذا الصدد أمران:
الأول وهو مهم كثير الوقوع، والحاجة إليه ماسة: إن أيس الأمر من كف فاعل المنكر، أو إزالته، فهل يبقى الأمر واجبًا عليه أم لا؟ الذي رجحه ابن المناصف في «الإنجاد» (١/ ١٥ - بتحقيقي) الوجوب، قال:
«والأظهر عندي في هذا الوجه: أنه يجب عليه القول، وإن كان يائسًا من كف ذلك المنكر؛ لأن الإنكار أخص فريضة، لا يسقطه عدم تأثر المنكر عليه، ألا ترى أن إنكار القلب حيث لا يستطاع الإنكار بالقول واجب باتفاق، وهو لا أثر له في دفع ذلك المنكر؟! فكذلك يجب القول إذا أمكنه، وإن لم يؤثر. وأيضًا ففي إعلان الإنكار تقرير معالم الشرع، فلو وقع التمالؤ في مثل هذا على التَّرْكِ حيث لا يغني الكف والإقلاع، لأوشك دروسها؛ قال الله: ﴿وَلْتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فالقول إذا قدر عليه واجب أثر أو لم يؤثر».
قال أبو عبيدة: هذا الذي استظهره هو الراجح في نظري، لما يلي: أولًا: إذا جرى الحديث عن تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو عدم تأثيره، أريد به ظهور المعروف حينما أمر به وانتفاء المنكر حينما نهى عنه، وبالعكس، ولكن لننظر في الأمر من وجهة نظر أخرى: وهي أن المسلم - ولو لم يؤثر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأثيرًا عاجلًا - لا بد أن يتأثر في شعوره إلى حد ما، ومن الممكن أن يصير هذا التأثير، سببًا لفعله المعروف وتركه المنكر فيما بعد، ومن هذه الناحية درس الإمام محمد بن الحسن الشيباني في «شرح السير الكبير» (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، نفسية الأمة =

<<  <  ج: ص:  >  >>