للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٨].

قال (ك): «هذا أيضًا مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا تهديد للنصارى، وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد، هكذا قاله (١) قتادة وغيره.

واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وقال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا، قال ابن جرير: هذا هو الصواب، وكان ذلك حين رفعه إلى السماء الدنيا، واحتج ابن جرير (٢) على ذلك بمعنيين:

أحدهما: إن الكلام بلفظ المضي.

والثاني: قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾. وهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيرًا من أمور القيامة ذكر بلفظ الماضي ليدل على الوقوع والثبوت، ومعنى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية التبري منهم، ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات، والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر - والله أعلم - أن ذلك كائن يوم القيامة، ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة) (٣).

قال محمد تقي الدين: تقدم (٤) أن النسخة التي بأيدينا من «تفسير ابن كثير» فيها اختلال في مواضع متعددة، وقد نظرت في نسخة أخرى مطبوعة في بيروت فوجدتها مختلة أيضًا، ولذلك سأتكلم في تفسير ما بقي من هذه الآيات بما يفتح الله به، فأقول: يسأل الله تعالى عيسى ابن مريم يوم القيامة وهو عليم بما وقع توبيخًا للنصارى وتكذيبًا لهم ليفضحهم على رؤوس الأشهاد، وليتبرأ عيسى مما نسبوه إليه كذبًا وزورًا، وقد تقدم نقل ما في «أناجيلهم» مما بقي من الحق، ولم يشمله التحريف والحذف والتبديل ما يشهد عليهم بالكذب، وهو موافق لما


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «قال».
(٢) انظر: «تفسيره» (٩/ ١٤٢).
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٥/ ٤٢٥ - ٤٢٦).
(٤) (ص ٢٨١).

<<  <  ج: ص:  >  >>