جاء به القرآن فيا حسرتهم وندامتهم حين يسمعون جواب عيسى وهو يقول: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: أنزهك عن الشريك ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ أي: لا يجوز لي ولا ينبغي لي: ﴿أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ﴾ وهو اتخاذهم لي ولأمي إلهين من دون الله ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فأنت تعلم أني لم أقل ذلك ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ لأنك بكل شيء عليم ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ وإنما أعلم ما علمتني ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ولا يعلم الغيب أحد سواك ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وقد تقدم ما نقلناه من الإنجيل مما يطابق ما هو في القرآن من توحيد الله في ربوبيته وفي عبادته، ثم قال: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي: كنت شاهدًا على بني إسرائيل مدة بقائي معهم ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أي: المكث والمدة التي قضيت لي أن أكون معهم ورفعتني إليك ﴿كُنْتَ أَنْتَ﴾ وحدك ﴿الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ تعلم ما يفعلون ولم يبق لي أنا علم بأعمالهم، فإن قيل: قوله: ﴿تَوَفَّيْتَنِي﴾ دليل على موت عيسى كما تدّعي النصارى واليهود، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] فالجواب: إن التوفي في لغة العرب لا يدل دائمًا على الموت، قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] فالتوفي هنا بمعنى النوم.
وكذلك قوله تعالى في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] أخبر الله سبحانه أنه يقبض أرواح الناس بالموت وبالنوم، فالأرواح التي قبضها بالموت يمسكها إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة، ثم يردها إلى أجسادها لتجزى على أعمالها، وأما التي يقبضها بالنوم، فإنه يرسلها بالاستيقاظ من النوم، فتبين أنه لا حجة لهم في الآيتين. فالتوفي في الحقيقة هو استيفاء المدة، أي: إتمامها وإكمالها، ثم قال تعالى حكاية عن عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ ولا حق لي أنا فيهم ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب، القاهر ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذين لا يفعل شيئًا إلا لحكمة ظاهرة للناس أو خفية عنهم، قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] والصادقون هم الذين صدقوا الله ووحدوه واتبعوا رسله، فهؤلاء هم الذي يستحقون المغفرة والرحمة، أما المشركون فإنهم لا يستحقون إلا العذاب، لقوله تعالى في سورة