للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولهذا قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أي: بلقعًا ترابًا أملس لا يثبت فيه قدم، وقال ابن عباس: «كالجُرز الذي لا ينبت شيئًا» (١). وقوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ أي: غائرًا في الأرض، وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ (٢) ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] أي: جار وسائح، وقال ههنا: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ والغور: مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه. كما قال الشاعر (٣):

تَظَلُّ جيادُه نَوْحًا عَلَيْهِ … مُقَلَّدَةٌ (٤) أَعِنَّتُها صُفُونا (٥)

بمعنى نائحات عليه، وقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ الآية، يقول تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بأمواله أو بثماره على القول الآخر، والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما خوفه به المؤمن من إرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها، وألهته عن الله ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾، وقال قتادة: يصفق كفيه متأسفًا متلهفًا على الأموال التي أذهبها عليها، ﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ عشيرة أو ولد كما افتخر بهم واستعز ﴿يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ (٦).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: أهم شيء عندنا في نقل هذه الآيات هو التحذير من


= (١/ ٤٠٤)، وابن جرير (١٥/ ٢٦٦) في «تفسيريهما» عن قتادة، وعزاه في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٤) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وأما أثر الضحاك، فأخرجه ابن جرير أيضًا، وعزاه في «الدر» إلى ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.
(١) أخرجه ابن جرير (١٥/ ٢٦٧)، وابن المنذر - كما في «الدر» (٤/ ٢٢٢)، وإسناد ابن جرير ضعيف -.
(٢) في الأصل: «أفرأيتم»!
(٣) هو عمرو بن كلثوم، والبيت في «شرح القصائد التسع» (٢/ ٦٣١) للنحاس، و «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» للأنباري (ص ٣٨٩).
(٤) في الأصل: «تقلده»! والتصويب من المصادر المذكورة، و «مجاز القرآن» (١/ ٤٠٤)، و «تفسير ابن جرير» (١٥/ ٢٦٧).
(٥) في الأصل: «صفوفًا»! والتصويب من المصادر المذكورة آنفًا.
(٦) انظر: «تفسير ابن كثير» (٩/ ١٣٦ - ١٤٠) بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>