للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مقبولة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أي: يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ أي: جحدوا آيات الله في الدنيا وبراهينه التي أقام على وحدانيته وصدق رسله وكذبوا بالدار الآخرة ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ أي: لا نثقل موازينهم، لأنها خالية عن (١) الخير، قال البخاري (٢) بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: «ليأتين الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة»، وقال: «اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾» (٣).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: علمنا مما نقله الحافظ ابن كثير عن السلف أن هذه الآية وما بعدها تشمل كل من عبد الله على طريقة غير مرضية، فيدخل فيها اليهود والنصارى والوثنيون والخوارج، وكل مبتدع، لأن المبتدع على طريقة مضادة لسنة النبي لم تكن في زمانه دينًا فلن تكون دينًا، كما قال مالك : «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة، لأني سمعت الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا» (٤). ومما يدخل في هذه الآية بلا شك أصحاب الطرائق القدد، الذين ينتسبون إلى التصوف في هذا الزمان، فإنهم يخالفون ما كان عليه النبي وأصحابه من وجوه:

الوجه الأول: إحداث التفريق بين المسلمين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وقال تعالى في سورة الروم: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وهذا ينطبق على أصحاب الطرائق غاية الانطباق، وقال النبي : «إن بني إسرائيل تفرقوا على


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «من».
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥).
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٩/ ١٩٩ - ٢٠١) بتصرف.
(٤) ذكره صاحب «تهذيب الفروق» (٤/ ٢٢٥)، والشاطبي في «الاعتصام» (١/ ٦٢ و ٢/ ٣٦٨ - بتحقيقي). وانظر: «الإمام مالك مفسرًا» (ص ١٦٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>