وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: اجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطواف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أي: في الصلاة، ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين به، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثنى من الصلاة عند اشتباه القبلة، وفي الحرب وفي النافلة في السفر، والله أعلم (١).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد:
الأولى: إن المسجد الحرام وسائر المساجد الإسلامية إنما تؤسس على توحيد الله تعالى واتباع رسوله، ولا يجوز أن يحدث فيها شرك أو بدعة، فإن ذلك سعي في خرابها، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، فكل من أدخل شيئًا من الشرك أو البدعة في بيوت الله يناله هذا الوعيد.
الثانية: كلام الحافظ (ك) ودليله ظاهر في أن أول من بنى المسجد الحرام إبراهيم، وكأن الروايات التي تقول: بأن أول من بناه الملائكة ثم آدم .. إلى آخرها لم تصح عنده.
الثالثة: قوله: «إلا عند اشتباه القبلة»، معناه أن من لم يعرف القبلة لغيم أو ظلمة أو لكونه غريبًا في البلاد، فإنه يختار جهة ويصلي إليها، وإذا تبين أنه أخطأ فلا إعادة عليه، وكذلك المقاتلون في سبيل الله إذا لم يتمكنوا من استقبال القبلة لشغلهم بقتال العدو، يصلون إلى أي جهة تناسب غرضهم الحربي، وكذلك المسافر يجوز له أن يتنفل على دابته أينما توجهت به.