قال محمد تقي الدين: يتلخص تفسير هذه الآيات فيما يلي: لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة بعدما بايعه أهلها ليلة العقبة بمنى وقوي المسلمون أذن الله له تعالى في قتال أعدائه (١)، لأنهم ظلموا النبي ﷺ والمؤمنين به وآذوهم وطردوهم من بلدهم، وهموا بقتل النبي ﷺ وأخرجوه من بلده وليس لهؤلاء المخرجين ذنب إلا أنهم قالوا: ربنا الله، والمراد بقولهم: رَبُّنَا الله، لا نعبد إلا الله، ونكفر بعبادة ما سواه.
والمشركون لا ينكرون عليهم توحيد الربوبية، فإنهم مقرون به، وإنما ينكرون عليهم توحيد الألوهية والعبادة، لأنهم قالوا كما في سورة ص: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦]. فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] وقال تعالى في سورة المؤمن: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢].
(١) أخرج أحمد (١/ ٢١٦)، والترمذي (٣١٧١)، والنسائي في «المجتبى» (٣٠٨٥)، وابن جرير في «التفسير» (١٧/ ١٧٢)،، والطبراني (١٢٣٣٦)، والبزار في «البحر الزخار» (١/ ٦٩) رقم (١٦) وابن حبان (٤٧١٠)، والحاكم (٢/ ٦٦، ٢٤٩ و ٣/ ٧ - ٨) من طرق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، لَيَهْلِكُنَّ، فنزلت ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] قال: فعرف أنه سيكون قتال، قال ابن عباس: هي أول آية نزلت في القتال. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي، وهو كما قالا، وانظر لذلك: (الإنجاد في أبواب الجهاد) (١/ ٢١ - ٢٢ - بتحقيقي)، و «زاد المعاد» (٣/ ٦٣ - ٦٤)، و «السيرة» لابن كثير (٢/ ١٩٢ - ٢٠٧).