قال محمد تقي الدين: وكذلك المشركون في هذا الزمان إذا قيل لهم: ادعوا الله وحده، وتوجهوا إليه، واتركوا أولياءكم، يقولون:(الله ورجاله)! وبعبارتهم الخاصة: (رب برجالو) يعنون أن الله لا يكفيهم ولا تقضى حاجتهم إلا إذا أشركوا به رجالًا مخلوقين، فأف لهم!
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وقد وعدهم بالنصر فقال تعالى في سورة محمد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧، ٨] وقال تعالى في سورة المؤمن: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] وقد فعل ﷾ من نزول هذه الآية إلى يومنا هذا وسيفعل ذلك إلى يوم القيامة، فكل هزيمة أصابت المؤمنين، فهي من ضعف إيمانهم وعدم قيامهم بالواجبات (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ … ﴾ إلى آخره يعني: إن الله تعالى شرع الجهاد والدفاع بحكمته البالغة، ابتلاء منه لعباده، وأمر المؤمنين أن يدافعوا عن أنفسهم ودينهم، ولو تركوا الجو خاليًا للمجرمين لتغلب أهل الباطل على أهل الحق، وعم الكفر والظلام وحينئذ تهدم معابد النصارى الخاصة بالرهبان وهي الصوامع، ومعابدهم العامة وهي البيع، ومعابد اليهود وهي الصلوات، ومعابد المسلمين وهي المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا، ولو شاء الله لأهلك المجرمين بعذاب من عنده، ولكن أراد سبحانه أن يبلو الناس بعضهم ببعض؛ لما في ذلك من الفوائد والنعم.
ثم أكد ﷾ وعده بقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ فلا يهزم جنده ولا يذل أولياؤه، والعجب من المفسرين الأولين فإنهم اختلفوا في معنى البيع والصلوات، وكل من يعرف شيئًا من السريانية والعبرانية (٢) يعلم يقينًا أن (البيع) معابد النصارى العامة، وأصل البيعة، بيضة
(١). يؤكده: ما علقه البخاري في «صحيحه»: كتاب الجهاد والسير باب عمل صالح قبل القتال عن أبي الدرداء قال: «إنما تقاتلون بأعمالكم». (٢) للمصنف معرفة قوية بلغات متعددة مثل: الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والأردو،