ثم قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق وصدق ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء.
﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: النار وعذابها ونكالها أشق وأطم (١) وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم إن نلتم بزعمكم وإرادتكم، وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: وبئس النار [مقيلًا ومنزلًا](٢) ومرجعًا وموئلًا ومقامًا ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. قال (ك): يقول تعالى منبهًا على حقارة الأصنام، وسخافة عقول عابديها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي: لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به، ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي: أنصتوا وتفهموا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك، كما قال الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق (٣) كخلقي؟ فليخلقوا مثل خلقي: ذرة أو ذبابة أو حبة» (٤). وأخرجه صاحب «الصحيح» من طريق عمارة عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: قال الله ﷿: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة»(٥).
ثم قال تعالى أيضًا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي: هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه لو سلبهم شيئًا من الذي عليهم من الطيب، ثم أرادوا أن يستنقذوه منه لما
(١) كذا في مطبوع تفسير ابن كثير، وفي الأصل: «أشد وأهم». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «منزلًا ومقيلًا». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «خلق خلقًا». (٤) أخرجه أحمد (٢/ ٣٩١)، والبخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١) وغيرهم. (٥) أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١).