قَدَرُوا] (١) على ذلك، هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قال السدي وغيره: ﴿الطَّالِبُ﴾ العابد ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ الصنم.
ثم قال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٢، ١٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: قد عزّ كل شيء فقهره وغلبه، فلا يمانع ولا يُغالب لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار (٢).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد:
الأولى: إن المشركين في كل زمان ومكان يعبدون من دون الله مخلوقين مثلهم، وليس لهم دليل على عبادتهم، لا من القرآن ولا من كتب الأنبياء السابقين، ولا يعلمون حقيقة ما يعبدون، فكلما وجدوا قبة مبنية ورأوا الناس يقصدونها لقضاء الحاجات عبدوها معهم، حتى بلغ بهم الأمر إلى أن عبدوا قبة مبنية على حمار، وأخرى مبنية على كلب، والمشرك عديم العقل والتمييز، فلو سألته عن صاحب القبة والقبر الذي يعبده: متى وجد؟ وكيف كانت حاله؟ تجده جاهلًا كل الجهل، وهب أنه عرفه، وأنه كان عالمًا صالحًا مستجاب الدعوة، أو نبيًا رسولًا، أو ملكًا، فإن عبادته شرك بالله وكفر ولا تنفع العابد بل تضره وتهلكه.
الثانية: التمثيل دائمًا بالأصنام غير جيد؛ لأن المشركين يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين وتماثيلهم، وهي الأصنام وقبورهم، والأماكن التي جلسوا فيها أو مروا بها، والشمس والقمر والكواكب وكل ذلك شرك وكفر.
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أردت أن تستنقذه منه لما قدرت». (٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٠/ ٩٧ - ٩٨).