للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثالثة: إن المشركين في كل زمان ومكان إذا دعاهم داع إلى توحيد الله تذمروا وتنمروا وظهر في وجوههم المنكر، ويكادون يبطشون بالداعي، وكثيرًا ما يبطشون به فعلًا.

الرابعة: هذا مثل عظيم ضربه الله للمشركين وتحداهم به، فإن جميع المعبودين من الأبرار والفجار والأصنام والأوثان لا يستطيعون - ولو اجتمعوا - أن يخلقوا ذبابًا، ونرى كثيرًا من المشركين يذهبون إلى قبور الصالحين ويطلبون منهم الأولاد، وذلك من سفاهة عقولهم، فالذي لا يستطيع أن يوجد ذبابًا، كيف يستطيع أن يخلق جنينًا في بطن أمه، ويحفظ عليه حياته في زمان الحمل وبعده، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩].

الخامسة: إن الله تعالى أخبر أن الذين يعبدهم المشركون كما أنهم عاجزون أن يخلقوا ذبابًا، فهم عاجزون إذا سلبهم الذباب شيئًا أن يستردوه منه (١)، فإذا


(١) ذكر غير واحد من المعاصرين ممن لهم عناية بالإعجاز العلمي أن الذبابة تمد فمها من أسفل رأسها إلى السطح المقابل له مكونة بذلك أنبوبًا لامتصاص الطعام، وإذا نظرت بدقة إلى الأنبوب الماص، لوجدت الطرف الملامس لسطح الطعام متسعًا، وكأنه مكنسة كهربائية، بعد ذلك تبدأ الذبابة بفرز (إنزيم)، ليمكنها من تحليل الطعام وتحويله إلى مادة سائلة لمساعدتها على امتصاصه خلال الأنبوب لتلك الذبابة، فالذبابة تبدأ بهضم الطعام قبل أن يدخل إلى جسمها، فإن الإنزيم (البروتينات المركبة) يعمل على تفكيك الطعام إلى مركبات بسيطة، فالطالب لا يمكنه استنقاذ ما سلبته الذبابة، لا بسبب العجز - مثلًا - عن استخدام أجهزة دقيقة تمكنه من تشريح الذبابة، واسترجاع ما استطعمته؛ بل لو فعل فلن يكون هو نفسه الطعام الذي سلبته الذبابة، وإنما يحتاج إلى تجميع مركباته التي قد تفتتت، ولاحظ لو أنه أراد أخذ الطعام من فم الذبابة - ولو من بداية دخوله الماصة - فإن ذلك لن يجدي شيئًا، وذلك لأن الطعام قد تحول إلى مركبات مختلفة حتى قبل امتصاصه، لذلك ﴿لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أبدًا.
وهذه حقيقة علمية مسلمة، لا شية فيها، ولكن ما أثبته العلم التجريبي يصح إضافته إلى أقوال المفسرين استنباطًا بما استجد، وهو استنباط قد يكون مرادًا من الله سبحانه - والله أعلم بمراده ـ، وقد يكون استنباطًا وافق شمول معنى الآية مصادفة، فيكون صحيحًا في ذاته، مطابقًا للآية الكريمة في ذاتها، وإن كان غير مراد من منزل القرآن سبحانه، وما دام ذلك الكشف العلمي من معاني الآية الكريمة، فمعنى ذلك أنه ليس جميع معناها؛ بل ليس هو المراد رجحانًا؛ لأن كونه مقصودًا احتمال لا مرجح له، ولا مانع منه. والمعنى السابق المذكور في كتب التفسير لا يدفعه أي احتمال معتبر فهو صحيح في ذاته، انظر مقالة (ضعف الطالب والمطلوب) للعلامة الشيخ أبي عبد الرحمن الظاهري، المنشور في «المجلة العربية»، العدد (٣٤٨) السنة (٣١) بتاريخ محرم ١٤٢٧ هـ - فبراير ٢٠٠٦ م.

<<  <  ج: ص:  >  >>