بني إسرائيل، منها ما يصح ومنها ما لا يصح، فلا يسع الحافظ (ك) إلا أن يذكر ذلك في «تفسيره».
ولكن هل كان يصدق كل ما روي في ذلك أو يعتمد عليه في إثبات حكم؟ الجواب: لا، ثم لا، وقد آتاه الله من العلم والحكمة ما يمنعه من ذلك، فقد ذكر ﵀ في قصة سليمان وبلقيس أخبارًا عجيبة غريبة وختمها بقصة طويلة عزاها إلى الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، ثم قال بعد حكايتها عند قول ابن أبي شيبة:«ما أحسنه من حديث»، ما نصه: «قلت: بل هو حديث منكر غريب جدًا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم، والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما يوجد (١) في صحفهم، كروايات كعب، ووهب، سامحهما الله تعالى فيما نقلا (٢) إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان ومما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا (٣) الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ، والله الحمد والمنة» (٤).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: أفبعد هذا يُتّهم (ك) بالغفلة وحشو كتابه بالإسرائيليات والحكايات الخيالية؟ اللهم لا، إنه بريء من ذلك (٥)، ثم قال في
(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «وجد». (٢) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «نقلاه»! (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أغنى». (٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٠/ ٤١٣). (٥) انظر: تفصيل ذلك في كتاب «ابن كثير ومنهجه في التفسير» (ص ٣١٤ - ٣٢٧)، وفيه (ص ٣١٥): «وفي ظني أن الحافظ ابن كثير هو أحد المفسرين القلائل الذين هاجموا بشدة هذه الخرافات الإسرائيلية، ولطالما حذر منها أثناء تفسيره»، وانظر منه (٣٢٥ - ٣٢٦) حول (الإسرائيليات في قصة سليمان وبلقيس). هذا وقد تتابعت الكلمات على شكر صنيع ابن كثير في نقد الإسرائيليات، فها هو الشيخ محمد حسين الذهبي يقول في كتابه «الإسرائيليات في التفسير والحديث» (ص ١٨٠ - ١٨١): «وكذلك حين يفسر يتوخى في تفسيره الصحيح، وما يذكره من العليل: ينقده ويكشف عن مواطن الضعف فيه، وما يرويه من إسرائيليات يكشف عن زيفه وفساده، ويحذر منها أبلغ التحذير. وعلى الجملة فلم نر من المفسرين رجلًا كان له من قوة النقد للمأثورات، وتمييز جيادها من زيوفها مثل ما كان لابن كثير ﵀.