فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: فعل هذا، [أو يعبد](١) على القول الأول (٢) وكلاهما متلازم صحيح، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: في عبادتهم غيره». وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
قال (ك): «ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] وهكذا قال ههنا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ أي: من هو الذي [لا](٣) يلجأ المضطر [إلا](٣) إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين (٤) سواه.
وروى الإمام أحمد بسنده عن جابر بن سليم الهجيمي قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو محتب بشملة وقد وقع هُدَبُها على قدميه، فقلت: أيكم محمد رسول الله؟ فأومى بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البادية وفي جفاؤهم فأوصني، قال:«لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه، فإنه يكون لك أجره وعليه وزره، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، ولا تسبن أحدًا»(٥). قال: فما سببت أحدًا ولا شاة ولا بعيرًا.
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وبعد». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الآخر». (٣) من مطبوع «تفسير ابن كثير»، وسقط من الأصل. (٤) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «المضطرين»! (٥) أخرجه أحمد (٥/ ٦٣، ٦٤، ٩٤)، والبخاري في «التاريخ الصغير» (١/ ١١٨)، وفي «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٠٦)، وفي «الأدب المفرد» (١١٨٢)، والنسائي في «الكبرى» (٩٦٩١ - ٩٦٩٤)، وأبو داود (٤٠٧٥)، والترمذي (٢٧٢١)، والطيالسي (٢٠٨)، وعبد الرزاق (١٩٩٨٢)، وابن أبي شيبة (٨/ ٣٩١ - ٣٩٣)، وأبو عبيد في «الخطب والمواعظ» (رقم ١٥ - بتحقيقي)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١١٨٥)، وابن سعد (٧/ ٤٤)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (١/ ١٤٢)، والدولابي في «الكنى» (١/ ٦٦)، وابن حبان (٥٢١)، والطبراني (٦٣٨٥ - ٦٣٨٨)، والحاكم (٤/ ١٨٩)، والبيهقي (١٠/ ٢٣٦) والحديث صحيح، وانظر: «الكبائر» (٣٩١ - ٣٩٢ رقم ٣٤٦ النشرة الثانية - بتحقيقي).